
لا ينفصل عنده عالم الحقوق عن عالم الإبداع؛ فالدقة التي يقتضيها القانون تشحذ عبارته الشعرية، وتمنحها بناءً محكمًا ورصانةً في الإيقاع، فيما يمنحه الشعر قدرةً على رؤية ما وراء النصوص والمواد، ليقرأ العدل بعين الجمال، ويستشعر الجمال بحسّ العدل. الشاعر فيه يهزّ اليقين، والأستاذ القانوني فيه يعيد ترتيب الفوضى… وبينهما ينهض خطابٌ إنساني عميق يردُّ الحياة إلى جذورها الأولى: الطبيعة، الذاكرة، والإنسان.
من هذا البرزخ الذي يجمع بين عالمين، يأتي هذا الحوار الذي أجرته الأستاذة رحاب هاني خطار لموقع نادي الكتاب اللبناني. ليكشف عن شاعرٍ يرى في كل فصل من فصول الطبيعة قصيدة، وفي كل إنسان عالمًا كاملًا، وفي كل سؤال نافذة نحو احتمال جديد

أجل، الطبيعة والإنسان مصدران لا ينضبان لقرائح الشعراء. لقد لقبني البعض بشاعر الطبيعة لشدة التماهي بيني وبينها لغةً ورمزًا وصورًا وروحًا ومشاعر… فالجبال والسهول والزهور والطيور والبحر والجزر حاضرة في شعري، وكذلك النجوم والكواكب التي تشع في السماء وفي داخلي. وأنا أعيش تعاقب الفصول ودورانها حالة شعرية تمنحني سرورًا خاصًا من خلال حاسة الانتباه والتأمل والانتشاء الصوفي.
وكذلك الإنسان بآلامه وآماله وتاريخه وحاضره يرفدني بالأفكار الحية والمشاعر النابضة والتجارب الزاخرة. ففي كل إنسان سر وسحر وأبعاد كثيرة. ألم ينطوِ فيه العالم الأكبر؟
2.تقول إن الشعر يختزل بينما الروائي يفيد بالتفاصيل… كيف تنتقل بين التكثيف الشعري والامتداد الروائي؟
عندما يكون الكاتب مدركًا لطبيعة الشعر من جهة والرواية من جهة أخرى، ينتقل بينهما في سلاسة. فمرة يشتهي قطف العنب ومرة يشتهي العنب معصورًا. وعندما يكتب الشاعر رواية فإنه يظل محتفظًا بخصوصيته؛ فالجمل تظل كثيفة مختصرة، خالية من الحشو، ويحافظ في السرد على تناغم الكلمات وشيء من الإيقاع الداخلي، كما يرسم المشهد الروائي بعدسته الشعرية، وهذا ما يجعل الرواية سردًا متوهجًا.
3.كيف ترى شعراء القرى وجبل مكمل؟ وما الذي تمنحه البيئة الريفية للشعر أكثر من المدينة؟
انطلقت ورفاقي في بداية المشوار الثقافي تحت عنوان “شعراء المكمل”، كوننا ننتمي إلى منطقة محاذية لجبل المكمل. وكان لهذه البيئة الريفية، الطبيعية والثقافية، تأثير بالغ. فالريف يمثل الجذور الثابتة والانتماء إلى الأرض والامتداد فيها، فضلًا عمّا توفره أجواء الهدوء البعيدة عن صخب المدينة من فرصة للتأمل وتغذية الخيال. ولا شك في أن هذه الأحاسيس الفطرية قد صقلتها الثقافة والتمرس والخبرة الوجدانية والفنية.
4.كيف أثرت جذورك وذكريات طفولتك، وخاصة ما تعلمته من جدّيك وبيئتك، على رؤيتك للكتابة والأدب ومصدر إبداعك؟
للجدة حضور قوي في شعري وفي نثري. هناك أستاذة جامعية ناقدة تطرح قصيدتي “جدتي” على طلابها – وهي من ديوان بيضة الرخ – بسبب شدة إعجابها بها.
الجدة هي الأم الكبرى، الحضن الأوسع والأدفأ. وكم هي مليئة بالبركة والهناء البيوت التي تسكنها الجدات. الجدة هي رمز الحنان والحكمة والبساطة، وهي الذاكرة الحية والملاذ الأبدي، حتى في غيابها. هي المنزل الأول والحكاية الأولى.
5.أين تضع نفسك بين التراث والحداثة في شعرك وأعمالك؟
عمليًا أعيش في برزخ خاص. فأنا ابن التراث بكل ما يختزن من أفكار وقيم وصور ورموز، والتراث يتحول عندي إلى طاقة إيحاء. وفي الوقت نفسه فأنا أعيش في فضاء الحداثة وأستفيد من تجاربها. ولكني أزعم أني لست تراثيًا ولا حداثيًا؛ فالتصنيف قيد. وحداثتي تنبع من داخلي، وليس من النظريات والمناهج فحسب.
6-الشاعر الدكتور محمود عثمان لماذا لقب الشاعر يسبق لقب الدكتور؟
بالنسبة لي بدأت كتابة الشعر وأنا يافع .ثم حصلت في الثلاثين على اللقب الأكاديمي فهويتي الإبداعية سبقت إنجازي العلمي . وأعتقد أن السياق الثقافي يملي تقديم الشاعر حيث يحمل رمزية كبيرة في الوسط الأدبي بينما يفترض تقديم الدكتور على الشاعر في الوسط الجامعي والوظيفي او البحثي مثلًا .
7.هل ترى أن وظيفة الشاعر طرح الأسئلة، إرباك اليقين، أم منح القارئ طريقًا ثالثًا؟
أجل، الشاعر يهزّ اليقين، لكنه لا يبحث عن يقين جديد. فهو لا يؤمن بحقيقة نهائية؛ إنه يثير الشك ليدهش، وهو يضيء المناطق المعتمة في داخلنا ويوسّع أفق السؤال وأفق الاحتمال. إنه يتقاطع مع الفيلسوف في طرح سؤال الوجود، ولكن الشاعر لا يريد جوابًا، بل يترك السؤال مواربًا قابلًا للتأويل. هدفه إيقاظ حس القارئ وإثارة الدهشة لديه.
8.برأيك، هل الوعي عند الإنسان يكون بحجم الجمال الذي يستطيع أن يراه؟
يتمتع الشاعر بوعي أكبر وأكثر حدّة من الإنسان العادي. إنه يتمتع بحاسة الانتباه التي تموت بسبب العادة والتعوّد. فالشاعر لا يرى الوردة فقط، بل يرى العندليب الذي يسيل دمه على شوكتها، ولا يرى الشجرة بل يرى الظل النائم تحتها. الشاعر يرى بعين خفية ظلال الأشياء وليس شكلها الخارجي فقط، فالجمال ينبع من داخله. ولذلك فإن وعي الشاعر قد يفوق بكثير الجمال الذي يراه.
9.هل أغنت دراسة الحقوق لغتك الشعرية أم قيدتها بمصطلحات قانونية جافة؟
لا شك في أن هذا التوافق بين القانون والشعر هو مصدر غنى وثراء فكري ولغوي. فبالقانون يشحذ الشاعر نصله اللغوي إذ يجمع بين الدقة والدهشة، وتأتي قصيدته محكمة البناء رصينة الإيقاع. ولدي قدرة على الفصل بين زمن الشعر وزمن العمل كأستاذ جامعي في مجال الحقوق. ولا أنسى أن دراسة القانون تشحذ في داخلي الحس القوي بالعدالة، وهذا جزء من رؤية الشاعر لعالم يقوم على الحق والجمال والعدل.
10.تخيّل موقفًا افتراضيًا تتخذ فيه قرارًا ظنيًا بحق من يشوّه اللغة العربية… ما سيكون قرارك؟
لو كنت قاضيًا لأصدرت مذكرة جلب بحق مشوّهي اللغة العربية لفظًا وكتابة، وأحلت ملفهم إلى محكمة اللغة العربية بتهمة الإساءة غير المقصودة إلى اللغة الأم. وأوصيت أن تكون العقوبة إلحاقهم بدورة تأهيل في قواعد النحو والصرف وتنمية الذائقة الجمالية، ولفرضت عليهم أن يحفظوا أسبوعيًا قصيدة للمتنبي أو جرير أو أبو فراس أو أبو نواس أو أحمد شوقي… وأن يستمعوا إلى قصائد تغنيها فيروز وأم كلثوم وعبد الوهاب، ويحفظوها عن ظهر قلب.
11.إذا جف حبر القلم، ماذا يعني لك ذلك رمزياً؟ وماذا يخسر الشاعر حين يفقد أداته الأولى؟
ربما كان من أحد أسباب انتحار خليل حاوي هو نضوب قريحته أو جفاف أصابعه، إلى جانب أسباب أخرى. فالجفاف الشعري هو رمز للموت. وفي هذا السياق علينا التمييز بين توقف الشاعر مؤقتًا عن الكتابة وبين التوقف النهائي. فأحيانًا يصمت الشاعر ليستعيد حيويته أو ليستأنف الكتابة بشكل جديد. أما التوقف النهائي فقد يحصل نتيجة صدمة كبرى أو خيبة قوية تؤدي إلى انطفاء الحواس أو تغيير الهوية.
12.كيف ترى المرأة في شعرك: هل هي رمز أم كيان حقيقي يعكس حضورها الإنساني؟
المرأة في شعري هي رمز وكيان إنساني في آن. فهي من جهة رمز للأرض والخصب والعطاء، وأيقونة الحب والحنان والحرية. وهي من جهة أخرى شريكة حياة وإحساس ونبض وتجربة: الجدة، الأم، البنت، الأخت، الزوجة، الحبيبة، الصديقة… هي الجسد بجماله الساحر والشخصية الملهمة، والتفاصيل المتصلة بالمكان والزمان والموقف واللقاء والجفاء.
13.ما الجديد الذي تحمله في ديوانك الأخير «دموع المجدلية»، وكيف يختلف عن أعمالك السابقة؟
هذا الديوان جاء، كما أتى في المقدمة، من وحي قراءتي لرواية نيكوس كازانتزاكيس «الإغواء الأخير للمسيح»، وقد صادفت في نفسي تفاعلًا كبيرًا. وهو يعبر عن رؤية جديدة ترتكز على أنسنة المسيح وتصوير معاناة المجدلية، وهو بمثابة “إنجيل شعري” موزون مقفّى.
14في زمن تتراجع فيه القراءة، وما يواجه الثقافة اليوم من تحديات، كيف ترى دور الشعر والأدب؟
ثمة مخاطر جمة تواجه الثقافة في هذا العصر: انتشار السطحية، هيمنة رأس المال، سيطرة الأرقام، وتراجع دور المثقف. لكن الحاجة تزداد إلى الدور الذي يضطلع به الشعر والأدب في المجتمع. فالأدب يقاوم التفاهة والسيولة والسطحية، يصون اللغة، يحرس المعنى والتجربة الإنسانية، ينمّي الحس النقدي والشك المنهجي والخيال، وهو الوعاء الذي يحفظ التراث والذاكرة.
15.وكيف ترى دور الأندية الثقافية في تنمية الوعي الأدبي والفكري، وفي دعم الإبداع والقراءة؟
يبدو لي أن انتشار الأندية الثقافية في لبنان ظاهرة لافتة. وهي مفيدة إن توافرت لها إدارة جيدة تهدف إلى تطوير الأدب، وبناء صداقات، واكتشاف المواهب وصقلها، وتوفير مساحات للتواصل الثقافي. وإلا فإنها تتحول إلى دوائر مغلقة وظاهرة استعراضية تهتم بالصورة وليس الفكرة.

Latest posts by Rihab Hani khattar (see all)
- بين منقوشةٍ و كتاب…ولد أديبٌ من جوع آخر - مارس 25, 2026
- نافذة الأمل … والحنين إلى علما الشعب - مارس 14, 2026
- وللرسالة ..رسلٌ وسبل! - مارس 9, 2026
