الكلمة هنا تتنفس، والموسيقى تتحرك بين السطور، والجنوب يهمس في صمت الأشجار. بهذا الحوار مع الشاعر شوقي بزيع الذي أجرته الأستاذة رحاب هاني خطار، يتحول الشعر إلى أفق يضيء الوجود، ويطرح الأسئلة الكبرى عن الإنسان، الزمن، والحياة، قبل أن يمنحنا لحظة صفاء وتأمل.
الكلمة والموسيقى تلتقيان لتضيء أعماق الوجود.
1. حين يحضر الجنوب في شعرك، هل تنطق الحجارة بذاكرة متوارثة، أم يولد المكان من اللغة التي تمنحه القصيدة حياةً جديدة؟
-ليس من المستغرب أن يحضر الجنوب في شعري وفي مجموعاتي المختلفة، باعتبار أنني أنتمي إليه في الطفولة والتجربة والحنين. ما هو مستغرب أن لا يحضر الجنوب في قصائد شعرائه، وهو أمر تؤكّده الكثير من تجارب المبدعين المختلفة في سائر أصقاع الأرض.
عندما نقرأ بابلو نيرودا، نرى ظلالًا وأطيافًا لجبال تشيلي وأنهارها، ومياهها وهوائها، وأحجارها الصلبة. كذلك رسول حمزاتوف في داغستان، أو فيديريكو غارسيا لوركا في إسبانيا.
هذا الشعر ينطق بذاكرة الحجارة، وفي الوقت نفسه لا يكتفي بترجمتها أو بنقلها كما هي على أرض الواقع، بل يعيد اختراعها من جديد، لأن الشعر أرض أخرى. وغالبًا ما نكتب عن الأشياء بعد فقدانها، أو يبدو أحيانًا كأن الفقدان هو الشرط الأساسي لاستعادة الأماكن المفقودة عبر القلب والذاكرة واللغة.
وهنا ما يذكّرنا بقول الشريف الرضي:
«وتلفّتتْ عيني، فمنذُ خَفِيَتْ
عنِ الطُّلولِ، تلفّتَ القلبُ»
2. في تجربتك الشعرية، كيف يتحول الجنوب من أرض مثقلة بالوقائع اليومية إلى فكرة جوهرية تغذي النص وتمنحه عمقه الروحي والفكري؟
-بالنسبة لي، تحوّل الجنوب من أرض الواقع إلى سماء الأفق الجوهرية، أو إلى الرؤية، هو شرط أساسي من شروط الإبداع، سواء اتّخذ هذا الإبداع شكل الكتابة الشعرية، أو الرسم التشكيلي، أو الموسيقى، أو الرواية. فالفن ليس مرآةً للواقع، ولا حاجة بنا إلى نسخة أخرى عن الوقائع والأماكن والأشياء، بل هو يكشف ويضيء، كما تفعل المنارة.
لذلك أجد أنّ تحوّلي في الشعر، تحديدًا بعد المجموعة الرابعة «وردة الندم»، ومع «مرثية الغبار»، جاء من هذا المنطلق؛ إذ إنّ الحديث عن الجنوب لم يعد مرتبطًا بالمكان في إطاره المحلي أو بوصف تضاريسه، بل اكتسب بُعدًا إنسانيًا أشمل. فبدل أن أكتب قصائد عن منزلي أو عن بيوت وأشجار الجنوب، بدأت أكتب قصائد أكثر شمولًا، تتصل بالبيوت والأشجار من خلال الفقدان والتفاعل مع المكان الأم.
وهو ما حدث في «مرثية الغبار»، وظلّت ترجعاته تتردّد حتى مجموعتي الأخيرة «الحياة كما لم تحدث».
الفقدان شرط لاستعادة الأماكن المفقودة عبر القلب والذاكرة واللغة.
3. ما الدور الذي ترى أن القصيدة تستطيع أن تؤديه في كتابة التاريخ؟
-أعتقد أن البشر يكتبون التاريخ بطرق ووسائل مختلفة، ولغايات مختلفة، لكن هاجسهم الدائم، وهم يعملون على كتابة التاريخ، هو الخلود. بطبيعة الحال، يحرص السياسيون والقادة والزعماء باستمرار على تولّي كتابة التاريخ المدوَّن للجنس البشري، ويفعلون ذلك دائمًا من موقع المنتصر، فيما يذهب المهزوم إلى خانة التهميش، إلا إذا قُيِّض له، في وقت لاحق، أن يُعاد له اعتباره بشكلٍ آخر.
في هذا الإطار، تُشكّل الرواية تاريخًا موازيًا للتاريخ الموضوعي الذي يكتبه القادة و وكلاؤهم، لأن الرواية غالبًا ما تكتب التاريخ غير المرئي والمهمَّش، تاريخ أولئك الناس الذين صنعوا الأزمنة حقًا وقاموا ببنائها لبِنةً لبِنة، سواء أخذنا مثال أهرامات مصر، أو مسلّات بابل، وصولًا إلى كل الآثار التي يُعثر عليها في الأماكن التاريخية القديمة.
إذًا، الرواية تكتب التاريخ، سواء كانت رواية تاريخية أم لا؛ إنها تاريخ الظلال، تاريخ الناس الغُفْل، أو، إذا استعرنا هذا الشعار من جريدة «السفير» الراحلة، «صوت الذين لا صوت لهم».
والشعر هو أيضًا نوع من كتابة التاريخ، لكنه يكتبه بلغة مختلفة؛ فهو لا يستخدم لغة السرد والتفاصيل المملّة، ولا يشتغل على كتابة الذكريات والاعترافات الشخصية، بل يحاول أن يكتب سيرة الشاعر أولًا، وسيرة الزمان ثانيًا، عبر لغة مختزلة، تعتمد الاستعارة والصورة، وما إلى ذلك، وهو ما تفعله الفنون الأخرى أيضًا، كالمسرح والغناء والرسم التشكيلي.
وقد يكون للشعر، في بعض الأعمار التاريخية، دور في البحث عن «الثقوب السوداء» في التاريخ، وعن وقائع جرى نسيانها أو تضييعها، أو عن أمكنة جغرافية لم يستطع المؤرخون والجغرافيون الاهتداء إليها. فعلى سبيل المثال، عندما عملت وزارة الثقافة السعودية على إحياء سوق عكاظ، اهتدت إلى مكان السوق من خلال الإشارات التي قدّمها الشعراء العرب القدماء، والموزّعة بين امرؤ القيس وطرفة بن العبد وزهير بن أبي سلمى والخنساء والنابغة الذبياني، وشعراء كثر آخرين.
4. بين الشعر العمودي وقصيدة النثر، أين تجد اللغة أكثر قدرة على احتواء المعنى دون أن تفقد لحنها الداخلي وروحها الموسيقية؟
-معنى وجود الإنسان على الأرض يتكفل به الفن على نحو عام، والشعر، طبعًا، هو رأس الفنون، إضافة إلى الموسيقى والنحت والمعمار والرسم إلى ما هنالك. أرى من جهتي أن الأشكال الشعرية تتكامل، ولا يجب لبعضها أن يحتكر الآخر، وما من شكل قادر على احتكار المعاني المتصلة بحياة الإنسان على الأرض، كالحب، الكراهية، المرض، الشيخوخة، الحرية، إلى ما هنالك، بل هي أقاليم موزعة بين الأشكال المختلفة.
القصيدة العمودية لعبت دورًا كبيرًا في التعبير عن هذه القضايا عبر تاريخ مديد. وجاءت قصيدة التفعيلة لتحقق لنفسها المزيد من الحرية، عبر الانتقال من نظام الشطرين إلى نظام الشعر الحر والتفعيلات غير المحدودة. أما قصيدة النثر، فقد عملت على توزيع الفضاء الشعري باتجاهات مختلفة تمامًا عن الأسلوبين السابقين.
قد تكون القصيدة العمودية الآن أقل قدرة على المناورة من قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، وعلى التعبير عن متطلبات العصر الجديد، لأنها استنفدت أغراضها عبر السنين، وأن كل بحر من بحورها، وكل قافية استخدمت آلاف المرات. مهمة الشعراء العموديين أصبحت أصعب من السابق.
قصيدة التفعيلة، على العكس، حية وطازجة، عمرها لا يتجاوز سبعين عامًا تقريبًا. وقصيدة النثر تمتلك قدرة كبيرة على التجول في أنحاء الموضوعات، وفي تفاصيلها ومساحاتها المتناثرة. بالنسبة للموسيقى، لا شك أن غياب الموسيقى الظاهرية عن قصيدة النثر، وغياب التقفية، مسؤولياته وأعباؤه تقع على الشعر نفسه، الذي يعوض ذلك عبر تكثيف الصور بالإيحاء والإيجاز.
بالنسبة لي، يمكن التعايش بين هذه الأساليب المختلفة، وكل منها يحتفظ بمكانته في التعبير عن حياة الإنسان وتجربة الوجود.
٥. هل الشكل الشعري خيارٌ واعٍ، أم نتيجة حتمية للفكرة حين تبلغ أقصى توتّرها وتجعل النص يخرج من ذاته؟
-غالبًا ما يحضر الشكل مترافقًا مع الموضوع أو الفكرة التي تلحّ الكتابة عليّ، فتولد الفكرة بشكلٍ جنيني نتيجة معاناة لها علاقة بالحب، بالأرض، بالحرية، أو بسؤال وجوديّ ملّح، أو بمسألة التراث والأسطورة، إلى غير ذلك.
تبدأ الإيقاعات في الذهن والمخيّلة، قبل أن تكتسي لحمًا ودمًا خلال فعل الكتابة، وتتحقق في وقعها اللاحق. ويمكن القول إن الشكل يحدث في المسافة الدقيقة بين اللاوعي والوعي، تمامًا كما هو الحال بين الشعر والفن.
غالبًا ما يختار الشكل مضمونه، كما يختار المضمون شكله. فأنا، كشاعر، حين أختار وزن تفعيلة من التفعيلات، تفرض هذه التفعيلة معجمًا محددًا وأنماطًا تعبيرية بعينها، وأحاول أن أتَصارع معها لخلق أشكال جديدة. وفي هذه المسافة بين الاستسلام والمعاندة، بين الكتابة والمحو، يتكوّن الشعر.
٦. يبدو نصك كمنهلٍ للأسئلة أكثر منه مستقرًا للإجابات؛ هل تكتب القصيدة لتزعزع اليقين أم لتمنحه لحظة من الصفاء؟
-طبعًا، الشعر هو مستودع الأسئلة ومنصّة الأسئلة الكبرى التي يطرحها الإنسان على نفسه وعلى الوجود. وهنا أتكلّم عن الشعر الحقيقي والعميق، إلا إذا كنّا نتحدّث عن شعر الاستهلاك، أو شعر الغناء، أو شعر المنابر؛ حيث يصبح آنذاك شعرًا للتطريب الرومانسي الوجداني الترفيهي، إلى ما هنالك.
لكن الشعر، كالفن، إذا أردنا الحديث عنه في عمقه، هو منصّة للأسئلة، ومساءلة للوجود، وطرح للأفكار الكبرى، من دون أن تُمحى هذه الأفكار؛ لأن الأفكار، عندما تحضر بوصفها أفكارًا مباشرة، يتحوّل الشعر إلى فلسفة، وعندما تغيب كليًّا يتحوّل إلى غناء إنشائي.
بينما يجب أن تحضر الأفكار في حالة ذوبان كامل داخل النص الشعري، تمامًا كما يذوب السكر في الماء.
٧. حين تتناول القصيدة القضايا الكبرى، أين يرسم النص حدّه بين الشعر والخطاب، وكيف يحافظ على نغمة شعريته دون أن يفقد موقفه؟
-لقد قلتُ غيرَ مرّة، وفي غير مناسبة، إنّ القضايا الكبرى لا يمكن أن تجعل من كاتبٍ صغير كاتبًا كبيرًا. ولا يكفي أن نتوكّأ على مثل هذه القضايا لكي نحولها إلى شماعة للرداءة؛ فإذا لم يكن الشعر في داخله عظيمًا، فلن تصنعه على الإطلاق القضايا التي يتناولها.
هذا لا يعني أن نبتعد بالكامل عن أيّ قضية من القضايا، بل يمكن، وخصوصًا في مجتمعات تعاني من الفقر والتهميش والاستئثار السلطوي، وتعاني من غياب الحرية والاحتلال، أن نكتب في أيٍّ من هذه الموضوعات. لكنّ الأهم هو كيفية مقاربة الموضوع بلغة عالية، وصور مدهشة ومباغتة، ومن داخل شروط الشعر نفسه.
إذًا، في الشعر والإبداع، ليس المهم ماذا نكتب، بل كيف نكتب. وقد قلتُ ذات مرة إنّ الكتابة في القضايا الكبرى، أو عن القضايا الكبرى، بلغة صغيرة أو بأسلوب رديء، هي إساءة لهذه القضايا وطعنٌ لها في الصميم؛ لأنّه لا يمكن لأي خطاب شعري أن يكون حقيقيًا إن لم يتجاوز لحظته الراهنة ليعانق الأبدية. والنصّ الذي يموت بعد شهر من كتابته هو نصّ يتناقض مع فكرة القضية التي يتوسّلها، ويشكّل تعارضًا جوهريًا معه.
٨. في نصوصك، تحضر الأنوثة كأفق معرفي لا كزخرفة لغوية؛ كيف تجعل الأنوثة في شعرك طريقة لرؤية الحياة والإنسان، وإضاءة تفاصيل الوجود الخفية؟
-أحببتُ استخدامكِ في السؤال لكلمة الأنوثة تحديدًا، باعتبار أنّ في كل ما كتبته في شعر الحب، لم أكن أذهب إلى التغزّل بالمرأة بقدر ما كنتُ أحاول مقاربة سرّ الأنوثة وجوهرها، والوقوف على حقيقتها ومجاراتها بشكلٍ أو بآخر. أقول هذا الكلام لأنّ الشعر العربي كان دائمًا يتّخذ الغزل موضوعًا له، وفي الغزل تشييءٌ للمرأة، وتحويلها إلى دريئة لتصويب الشعر باتجاه الجمال، أو إلى تحويل الكتابة إلى عمل زخرفي أو زينة لغوية، كما تشيرين.
لكنني دائمًا كنتُ أنتصر للحب؛ في قلب هذا الحب تحضر هذه الأنوثة باعتبارها حاضنة الرجل، وباعتبارها الأفق الكوني الذي ينطلق منه ويعود إليه. وقد تكون جوهر المأساة في العلاقة مع المرأة متمثّلًا في كوننا لا نستطيع أن نسبر غور كائن خرجنا منه ونريد أن نقف على حقيقته، ما دمنا نحن أصلًا نتحرّك في فضاء أنثوي شامل هو الكون بأسره.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية، الأنوثة بالنسبة لي موجة تعبيرية قد تكون كلّها ليونة ورقّة، وقائمة على اللامحدود. ونحن، حيثما نكتب، نتجاوز ثنائية الجنوسة أو ثنائية الذكر والأنثى لنلامس الإنسان في عمقه الأخير. وهذه الملامسة شرطها الكتابة على موجة أنثوية؛ أي إننا نتحوّل إلى إناث، سواء أكنّا ذكورًا أم إناثًا بالمعنى الرمزي للكلمة. أي إنّ الأنوثة هي موجة، هي نسق تعبيري، هي رؤية إلى العالم، هي أفق في المحصّلة الأخيرة للتعبير.
٩. حين التقت الكلمة بالوتر في تجربتك مع مارسيل خليفة، ما الذي أضافه هذا التلاقي للقصيدة؟
-في الواقع، لم أكتب قصائد مخصّصة للغناء، ولستُ شاعرَ أغنية على الإطلاق. ما أكتبه هو نتاج مكابدات داخلية، ومعاناة مع النفس، ومع الوجود، ومع قضايا الحياة الكبرى. أعتقد أنّ كتابة الأغنية حرفةٌ يحترفها البعض بهدف تحصيل المعيشة، أو لأن لديهم موهبةً خاصة في هذا المجال. وأنتِ تعلمين أنّ الشعر الحديث صعبٌ على المغنّين، ولا سيّما النصوص التي تعتمد التدوير، ولا تأبه للإنشاد العالي أو للتبسيط. فالقصيدة الحديثة تنطوي على كثافةٍ صورية، وعلى شكلٍ وأسلوبٍ يعصيان في كثير من الأحيان على الغناء.
تكمن أهمية مارسيل خليفة في أنّ ثقافته الشخصية ومشروعه الفني كانا في قلب اللحظة التاريخية. لذلك اختار نصوصًا لشعراء قلّة، ووضع لها ألحانًا مناسبة، وأدّاها بشكلٍ مميّز، وكان اختياره شخصيًا وواعيًا. غنّى لي عددًا من النصوص، من بينها قصيدة «أيمن»، و«يا حادي العيس»، و«جبل الباروك»، إضافة إلى قصيدة حب بعنوان «شهوات مبكرة». وقد قُدّمت هذه النصوص بشكلٍ جيّد، وأُدّيت بشكلٍ جيّد، وأنا راضٍ عن وصول هذا الشعر إلى مساحاتٍ واسعة من المتلقّين. ومع ذلك، لم تُغيّر هذه التجربة المحدودة علاقتي لا بالأغنية ولا بالموسيقى لأنها كانت تجربة محدودة.
الموسيقى شعر بحدّ ذاتها، والكلمة إيقاع ينطق بذاكرة الزمن.
١٠. كيف يسهم الشعر والموسيقى في تجربتك في صقل إحساس الإنسان وتعزيز روح القضية التي يتناولها شعرك، كالوطن والثورة؟
-الموسيقى شعر بحدّ ذاتها، باعتبارها شعرَ وزن و كيفية، وباعتبار قدرتها على الاستثمار في سياق القصيدة وفي إيصالها للجمهور. بطبيعة الحال، لم أكن معنياً بمسألة المساومة التعبيرية أو الفنية من أجل الوصول إلى المتلقّي. أنا أرى أنّ الشعر يجب أن يُكتب في الظل، في العتمة الكاملة؛ فالشعر، كالحب، تفسده الأضواء الباهرة، ويحتاج إلى هذا الضوء المُعتكِر، على طريقة أبي نواس، إلى تلك الحالة الملتبسة بين النور والعتمة.
وبعد أن ينتهي الشاعر من قصيدته، يكون له الخيار أن تؤدّى على شكل مسرحي، أو تتحوّل إلى أغنية، أو إلى ما هنالك. هناك فرق بين برّيّة الكتابة وبرّيّة الإلقاء، لأنني أؤمن بأن الموسيقى مرتبطة ارتباطًا عضويًا بالشعر. ومع ذلك، لستُ ضد قصيدة النثر، لأن موسيقاها ليست ذات نبرة عالية؛ ليست إنشادية، وليست من برّيّة برّيّة. غير أنّ شاعرًا يُحسن الإلقاء يمكنه أن يقدّم القصيدة بطريقة مميزة.
وأنا شاهد على شعراء، حين اعتلوا المنابر، كان لقصائدهم واقع خاص، وخاصة إذا استطاعوا التعويض عن الإنشاد العالي عبر صور مبهرة ومباغتة، وعبر نظام دقيق من التجاور بين الكلمات والجمل، ونوع من التناظرات التعبيرية والإيقاعية التي يمكن أن تشكل موسيقاها الخاصة داخل القصيدة.
١١. الأرز في الوعي اللبناني رمزٌ يتجاوز الصورة؛ كيف تتعامل معه شعريًا بوصفه فكرة عن الزمن، الصمود، أم الهوية المتجددة؟
-لم يكن شجر الأرز، على الإطلاق، جزءًا من وعيي الطفولي الذي أشرتِ إليه. صحيح أنّه حاضر على العلم، وقد تحوّل إلى رمزٍ وطني بامتياز، لكن رمزيته بقيت محصورة في هذا الإطار فقط. إذ إنني نشأت في الجنوب اللبناني، حيث لم ينبض الأرز هناك، وحيث اتصلت طفولتي بأنواعٍ أخرى من الأشجار، يتقدّمها السنديان، وتشمل أنواعًا مختلفة مثل الملّول والغار والبطم، ومعظمها أشجار برّية.
وكانت المنطقة الفاصلة بين قريتي في الجنوب و بين الحدود الشمالية لفلسطين، مأهولة بعددٍ لا يُحصى من الأشجار، أُعلن عنها كمحمية في الفترة الأخيرة. ولطالما كانت الأشجار جزءًا أساسيًا من مسرح طفولتي. وحين غادرتُ القرية باتجاه بيروت، كان أوّل ما لفتني، وأنا راكب في السيارة التي تقلّني إلى العاصمة، أنّ الأشجار كانت تعود إلى الوراء بينما السيارة تتقدّم إلى الأمام. شعرتُ في تلك اللحظة أنّ هذه الأشجار تعود لتحافظ على المكان الذي تركته خلفي.
ودائمًا ما تعاملتُ مع الأشجار باعتبارها الكائنات الأجمل التي هبطت معنا من الفردوس، ولذلك فهي تذكّرنا باستمرار بنقطة البداية الجامعة للجنس البشري. هذا ما قادني إلى كتابة مجموعتي الشعرية «صراخ الأشجار»، حيث استنطقتُ أشجارًا مختلفة تربّيتُ في كنفها، من بينها الزنزلخت، والزيتون، والسنديان، والتين، إضافةً إلى أعشابٍ رديفة مثل البابونج والطيّون. لم أستطع أن أكتب عن شجرٍ لم أعرفه، تمامًا كما لم أكتب عن امرأةٍ لم أقع في حبّها، لأنني أرفض أن يتحوّل شعر الحب إلى غزلٍ سطحي. وهذا ما حصل أيضًا مع الأشجار، التي أهدتني واحدةً من أجمل مجموعاتي الشعرية.
- مرآة - يناير 13, 2026
- دروب منسية - يناير 13, 2026

حوار جميل جدا