في رحلة بين الكلمات والهندسة، بين الذكرى واليوم، بين العقل والعاطفة، يقف الشاعر ابراهيم شحرور أمامنا كراوٍ لما عاشه وما شعر به، وكعاشق للغة يمتلك قدرة فريدة على تحويل التفاصيل اليومية إلى نصوص تحمل عمقًا إنسانيًا وجماليًا. هذا الحوار الذي أجرته الأستاذة رحاب هاني خطار ليس مجرد أسئلة وأجوبة، بل نافذة على وجدان شاعر ينتمي إلى جذوره، ويحمل إرث والده الشاعر خليل شحرور، لكنه يخطّ طريقه الخاص في الشعر المحكي، حيث تتحرك اللغة بحرية، ويتنفس القارئ مع كل نبضة. هنا، نحاول أن نفهم كيف يرى العالم، كيف يختار كلماته، وكيف يحوّل تجارب الحياة اليومية إلى قصائد تنبض بالصدق والوجدان.

الشعر ليس طريقي إلى الحقيقة، بل الحقيقة التي ارتحتُ إليها؛ في كل كلمة أنفُسُنا، وفي كل لحظة يكتب الزمن على جناح القصيدة.

  1. كيف أثّرت دراستك للهندسة على رؤيتك للعالم، وهل ترى في القصيدة بناءً هندسيًا من نوع آخر؟
    -فلْأبدأ الجواب من استنتاج متقدِّم. كنت سأصل إلى الهندسة بلا قصيدة، وإلى القصيدة بلا تخصّص في الهندسة. بمعنى آخر، ليس في دراسة الهندسة ما يتعلّق مباشرة بهندسة القصيدة أو بنائها، إذا جاز الكلام. أمّا من حيث التأثير، فهو متبادلٌ، إذ إنّني أرى حين أبني قصيدتي تأثيرًا غير واعٍ للمهندس الذي فيَّ، مثلما أرى على عمل هندسيّ لي تأثيرًا غير مقصود أيضًا للشاعر الذي يسكنني. وكيفما أتت المقاربات، يبقى أنّ فنّ البناء موجود بقوّة في القصيدة، وأرغب في أن أكون شاعرًا مهندسًا على مستوى نصّي الشعريّ، لا مهندسًا شاعرًا.
  2. ما الذي دفعك إلى اختيار الشعر المحكي تحديدًا، ومتى شعرت أنه لغتك الأكثر صدقًا؟
    -ربّما تقصدين لماذا لم أتّجه نحو الزجل. في هذا السياق، يهمّني أن أعلن أنّني أتيتُ من ضفّة الزجل إلى ضفّة الشعر المحكيّ. ولا شكّ في أنّ وجداني يستمرّ وفيًا لدفّ والدي، إلّا أنّ ما يتشكّل منه الزجل لغةً وبناءً ومجازًا… لم أجده يتّسع وحده لما أريد التعبير عنه شعريًا، ففتحت شراعي في اتّجاه آخر هو أكثر إرضاءً لقلمي.
  3. اليومي حاضر في قصيدتك كنبض لا كزينة، هل ترى أن الاشتغال على التفاصيل اليومية يضيف عمقًا للشعر، أم يضعه أحيانًا أمام خطر التكرار؟
    لا أؤمن بقصيدة تتبرّأ من وجع أيّامنا، ولا تثير شهيّتي حكاية قطاف الكلام من شجر الخيال البعيد. نعم، أنا ابن الحياة، أدعو بساطتها وحقيقتها الإنسانيّة إلى قصيدتي، وأتبنّى جمالها بما فيه من دمعة وابتسامة، وهذا يكفي لأصل إلى قصيدة ترضيني وترضي الحياة.
    لا، ليس يعتريني الخوفُ من التكرار، لأنّ لكلّ جرح ألمًا جديدًا، وطَرقًا على باب الجمال لم يُسمَع قبلُ.
  4. هناك من يترك أثره في الكتب، ومن يتركه في الوجدان.. ووالدك الشاعر خليل شحرور يبدو حاضراً في ما تختاره من قيم، وفي ذلك الصمت البليغ الذي يسبق قصائدك. أخبرنا، كيف انتقل إليك ‘سرّ الكلمة’ منه؟ وما الذي بقي حيّاً من نبرته ومنهجه في كتابتك اليوم؟
    -استطاع أبي أن يغادر الحياة لكنّه لم يستطع الإفلات من شبكة وجداني. وأعترف أنّه محرّضي الأوّل على عشق القصيدة، قبل أن أكتبها بكثير. ولقد رافقتُه متذوّقًا، و”ردّيدًا” في مراهقتي، ونظمت الزجل ونلت جائزة الفرح من بريق عينيه. ولا شكّ في أنّني مدينٌ له بما أعتزّ به من قيم إنسانيّة، ومن عشقٍ للجمال. وإن احترفت القصيدة المحكيّة فليس في هذا الاحتراف خيانة لأبي إنما وفاء لذاتي. وقد يكون ما بقي من ظلاله في ساحة قصيدتي أكثر من الذي أدرِكه بوعيي، وقد يكون للآخرين أن يلحظوه أكثر مني. ولا بدّ من الإشارة أنّ التوريث الشعريّ إشكاليّة تحتمل الكثير من الكلام، لكنّني أسعى بملء رغبتي وإرادتي لأكون مختلفًا عن أبي شعريّا، وأعرف أنّ في ذلك فرحًا مُشترَكًا لنا.
  1. بسمتك لافتة لمن يراك عن قرب… هل هي انعكاس طمأنينة داخلية، أم جزء من طبيعتك الإنسانية؟
    -لستُ مَيّالًا إلى النَّكد، وأحترف الاختباء بابتسامتي، وهي جزء أصيل من وجهي ومحبّتي للنّاس والحياة، غير أنّها ليست دائمًا إناءً للفرح أو للرّضى، لكنّها جواز مرور إلى ذاتي وإلى الآخرين.
  2. هل تكتب الشعر لتفهم الوجود أم لتحتمل ثقله؟
    -تُربِكني المصطلحات ذات البُعد الفلسفيّ والوجوديّ، لأنّني أشعر بتعارُضها مع بساطة أدمنتُها من شاطئها إلى أعماقها. وإذا كان لا بدّ من جواب، فأنا أكتب لأشعر لا لأفهَم، ولأُنجِز توازُنا مع وجودي يليق بوجعي. ألفهم يعني المعرفة، ورصيدي ينتمي إلى المشاعر بدرجة أولى. أمّا عن احتمال ثقل الوجود، فأجد في الكتابة ما يساعد حقيقة على رفع أثقال وجوديّة، استنادًا إلى أنّ للعاطفة يدًا ذات قوّة خارقة، ولها أن تَزيح جبلًا عن صدر، وكوكبًا عن جناح فراشة.
  3. أين يقف الشاعر بين العقل والمنفى الداخلي؟
    -قلّما شعرت بأنّ القصيدة تقف عند باب العقل لتأخذ رضاه. وقد تكون ثأرًا منه أحيانًا. غير أنّ المنفى، الذي يقيم عميقًا فينا، طالما أضأناه بثريّات القوافي، أو بشموعها المتواضعة. وفي الضّوء الذي تجترحه القافية في ظلمة المنفى تَحرُّرٌ، وانهزام للظّلام الدّاخليّ المُسوَّر بالصّقيع. القوافي أجنحة خفيّة بين كتفيّ الشّاعر، وحمْلُ المَنافي على الأجنحة شكلٌ من أشكال الحرّيّة.
  4. ماذا يعني لك لبنان اليوم: مكان، ذاكرة، أم سؤال مفتوح؟
    -لبنان مكان، أيضًا، في جغرافية الرّوح. وانتمائي إليه يتخطّى بطاقة الهويّة، إلى حدّ أنّه الوطن الذي أهدى إليّ وجه أبي وقلب أمّي. وعليه، فهو جواب مفتوح، لا ينتهي إلّا حين يتّصل ترابي بتراب أهلي. وكيف له أن يكون ذاكرة، وهو المُعاش والرّفيق الدّائم، غير المنظور. ولو أنّ للإنسان أن يكون له انتماءَين لما كانت نقطة دم تسقي تراب وطن.
  5. هل ما زال للأمل مكان في نص شعري يولد من تعب الناس ويومياتهم؟
    -ليس من وظيفة القصيدة أن تبني جسور الأمل، ولا أن تطيل عمر اليأس. بكلّ بساطة، يبدو لي أنّ الصورة التي تلتقطها القصيدة لجروحنا، تجعل لكلّ جرح رئتَين تستقبلان هواء جميلًا معزِّيًا. وليس مطلوبًا من الشّعر أكثر من ذلك.
  6. لو لم تكن شاعرًا، هل كنت ستبحث عن المعنى بالطريقة نفسها؟
    -ليس الشّعر طريقي إلى الحقيقة، بالقدر الذي هو الحقيقة التي ارتحتُ إليها. الحقيقة كلمة واسعة، لا أستطيع ملء ساحتها بتعريف مقنِع، لكنّني لا أطلُب من طريق الشّعر إلّا أن يُبقيني من السّائرين في امتداده، وذلك بلا أيّ رغبة في الوصول إلى أيّ شيء. وقد يكون هذا السّير بحدّ ذاته أجمل من الوصول إلى دار الحقيقة.
  7. في عالم سريع ومشتت، هل ما زال الشعر قادرًا على إبطاء الزمن؟
    -بالنسبة لي، الزمن طائرٌ على علاقة كارثيّة بالصّيّاد، وليس سوى الشّعر مادّة كفيلة بتَصبير الطّيور الجميلة. والشّعر صيّاد اللحظة أيضًا، والخبير العتيق في إعطائها العمرَ الطّويل. وعليه، فأنا سابقى مراهنًا على القصيدة، لأنّني أريد أن أعيش.

اترك رد

اكتشاف المزيد من نادي الكتاب اللبناني

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading