بقلم الكاتبة سارة حاطوم ابو فرج

قبل قرع الجرس بيوم… سقطت الخطة التربوية
مدارس بلا أساتذة، صفوف بلا مواد، وطلاب أمام عام دراسي غير متكافئ
بقلم الأستاذة سارة حاطوم أبي فرج
لم تكن المدرسة الرسمية في لبنان بحاجة إلى أزمة جديدة مع بداية عام دراسي مثقل أصلًا بالتحديات. لكن قرار عدم التحاق نحو 3500 أستاذ من المتعاقدين والمستعان بهم، عشية انطلاق العام الدراسي، وضع الإدارات والأساتذة والطلاب أمام واقع تربوي مرتبك، وأعاد طرح سؤال أساسي: هل يبدأ العام الدراسي فعلًا عندما يدخل الطلاب إلى صفوفهم، أم عندما تكون الخطة التربوية جاهزة؟
المشكلة ليست في تنظيم ملف المتعاقدين أو إعادة دراسة حاجات المدارس، فهذا حق للوزارة وواجبها. المشكلة في التوقيت وفي غياب البدائل الواضحة التي تضمن ألا يدفع الطالب ثمن أي قرار إداري أو مالي.
ففي عدد من المدارس الرسمية، أدى النقص في الكادر التعليمي إلى تقليص ساعات الدوام، فيما تعاني مدارس أخرى نقصًا في مواد أساسية. وفي بعض الصفوف، ومنها الحلقة الثالثة، لا تتوافر بصورة منتظمة مواد كالرياضيات أو اللغة العربية، بينما تواجه مدارس أخرى نقصًا في العلوم أو اللغات.
والأمر لا يتوقف عند المواد.
هناك مدارس تستقبل حلقات تعليمية معينة، فيما تعطل حلقات أخرى. مدارس تستقبل الحلقة الأولى والثالثة، وأخرى تركز على الثانية والثالثة، فيما لم تستقبل بعض المدارس أطفال الروضات أصلًا.
ومن خلال معاينتي واقع ثلاث مدارس رسمية في منطقة جبل لبنان، بدا واضحًا أن طريقة استقبال الطلاب وتنظيم الدوام وتوزيع الحلقات والمواد تختلف من مدرسة إلى أخرى.
وهنا تكمن الخطورة.
اسم المدرسة واحد: «مدرسة رسمية»، لكن حق الطالب في التعليم قد لا يكون واحدًا.
طالب يجد أمامه أستاذ الرياضيات، وآخر ينتظر تأمينه. طالب يتابع اللغة العربية، وآخر يخسر جزءًا من ساعاتها. طالب يحصل على العلوم واللغة الأجنبية، وآخر لا تتوافر له المادة بصورة منتظمة.
فهل يمكن الحديث عن عدالة تربوية إذا أصبح مستوى حصول الطالب على التعليم مرتبطًا بالمدرسة التي التحق بها؟
والأستاذ أيضًا أمام المجهول
لا يعيش الطالب وحده حالة عدم الاستقرار. فالأستاذ المتعاقد يجد نفسه أمام مستقبل مهني غير واضح، خصوصًا عندما تُطرح حلول بديلة تقوم على تأمين الساعات من صناديق المدارس أو البلديات أو جهات أخرى.
وهنا تبرز أسئلة لا يمكن تجاوزها بالوعود:
من يدفع؟
ما الأساس القانوني؟
إلى متى يستمر التمويل؟
ومن يضمن للأستاذ مستحقاته؟
لا يجوز أن يبقى الأستاذ بين حاجته إلى العمل وبين وعود لا يملك ضمانات تنفيذها.
لكن، في المقابل، لا يستطيع الطالب أن ينتظر حتى تُحل هذه الإشكالات.
الطالب لا يعنيه نوع عقد أستاذه؛ يعنيه أن يجد أستاذه في الصف.
أين كان التخطيط؟
إذا كانت الوزارة تحتاج إلى معرفة الحاجات الفعلية لكل مدرسة، فلماذا لا تبدأ هذه العملية منذ نهاية العام الدراسي؟
لماذا لا تُجمع خلال الصيف أعداد الطلاب، والحلقات، والمواد، وعدد الأساتذة، ونسبة العجز في كل مدرسة؟
ولماذا يصل القرار إلى المدارس في الأيام الأخيرة قبل انطلاق العام، فيما تبدأ بعد ذلك عملية البحث عن حلول للنقص؟
التخطيط التربوي لا يبدأ عند قرع الجرس.
التخطيط يبدأ قبل أشهر، حين تكون المدارس لا تزال فارغة والطلاب في منازلهم، لا بعد أن تمتلئ الصفوف وتظهر الثغرات.
وإذا كانت هناك أجهزة إدارية واستشارية مهمتها دراسة الواقع التربوي ومساعدة الوزارة في اتخاذ القرارات، فمن الطبيعي أن نسأل: أين كانت القراءة المسبقة لحاجات المدارس؟ وأين كانت السيناريوهات البديلة التي تمنع وصول الأزمة إلى الصف؟
هذا السؤال ليس اتهامًا لأحد، بل هو سؤال في صميم الإدارة التربوية: كيف يُتخذ القرار، ومتى، وعلى أي بيانات؟
الإصلاح لا يكون على حساب الطالب
لا أحد يرفض إصلاح التعليم الرسمي أو تنظيم التعاقد أو ضبط الإنفاق. لكن الإصلاح لا يمكن أن يبدأ بفراغ الصفوف ثم البحث عن المعلم.
الإصلاح الحقيقي يبدأ بـ الإحصاء، والتحليل، والتخطيط، ثم التنفيذ.
أما أن يبدأ العام الدراسي فيما لا تزال بعض المدارس تبحث عن أساتذة ومواد وساعات، فهذا يعني أن الطالب أصبح جزءًا من عملية لم تكتمل عناصرها بعد.
المدرسة الرسمية ليست مجرد مبنى مفتوح الأبواب.
إنها وعد بالعدالة.
وحين يحصل طالب على تعليم كامل، فيما يُحرم آخر من مادة أو ساعات أو حلقة تعليمية بسبب المدرسة التي التحق بها، يصبح الأمر أكبر من أزمة متعاقدين. يصبح سؤالًا عن تكافؤ الفرص وعن حق أساسي لا يحتمل التأجيل.
لذلك، المطلوب اليوم ليس المزيد من الانتظار، بل خطة واضحة لكل مدرسة: ما حاجاتها؟ من يعلّم طلابها؟ ما المواد التي ستُؤمّن؟ كم ساعة تعليم سيحصل عليها الطالب؟ ومن يتحمل مسؤولية سدّ النقص؟
فالعام الدراسي لا يُبنى بالحلول المؤقتة، والتعليم لا يحتمل سياسة «نبدأ أولًا ثم نرى ماذا سيحدث».
قرع الجرس… ودخل الطلاب إلى الصفوف.
لكن السؤال الذي يبقى معلّقًا: هل كانت الخطة التربوية جاهزة قبلهم؟

اترك رد

اكتشاف المزيد من نادي الكتاب اللبناني

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة