في هذا الحوار الذي أجرته الأستاذة رحاب هاني خطّار مع الشاعر هنري زغيب، لا نستعيد تجربة عاصي الرحباني ومنصور الرحباني كأثرٍ فنيٍّ مضى، بل كحلمٍ ما زال يتنفس في الذاكرة، وكأن لبنان نفسه كُتب على إيقاعهما بين الكلمة واللحن والضيعة والسماء.
ومن خلال صوت فيروز الذي صار نافذةً على هذا الحلم، يقترب الحوار من جوهر التجربة الرحبانية كما يقرأها هنري زغيب: حيث يتحوّل الفن إلى ذاكرة، والذاكرة إلى وطنٍ من نور
.

لبنان الرحابنة هو الوطن المثالي الذي يحلم كلُّ مواطنٍ أن ينتمي إليه.

١. كيف تَقرأ صورة لبنان في تجربة عاصي الرحباني ومنصور الرحباني: هل تعكس واقعًا تاريخيًا أعاد الفن صياغته، أم أسهمت في بناء ذاكرة جماعية ووجدانٍ لبناني مشترك تجاوز حدود الواقع؟

-لبنانُ الرحابنة هو الوطن المثالي الذي يحلم كلُّ مواطنٍ أن ينتمي إليه؛ وطنٌ ثابت، دائم، مبدع، لا دولةٌ تتبدّل بتبدّل أهل السلطة. لقد رسم الأخوان رحباني صورةً للبنان الحلم، فأسهما في بناء وجدانٍ جماعيّ تجاوز حدود الواقع اليومي وتقلّباته.

٢. في أعمالهما، تبدو “الضيعة” نموذجًا شبه مثالي؛ فهل هي امتداد لبيئة واقعية أم صياغة رمزية لكيان ثقافي متخيَّل؟

الضيعة الرحبانية هي صورة الطيبة والبساطة والصفاء؛ امتدادٌ لبيئةٍ واقعية، لكنها في الوقت نفسه صياغةٌ شاعرية رمزية لكيانٍ ثقافيّ متخيَّل. وربما لم تعد هذه الصورة موجودةً اليوم بذلك النقاء، لكنها بقيت في الذاكرة نموذجًا يُطمح إلى بلوغه.

٣. تُوصَف نصوصهما بالبساطة والشفافية، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على المحاكاة؛ أين تكمن عناصر هذه الصعوبة؟

-ما يبدو سهلًا في العمل الرحباني هو في الحقيقة ذروة الصعوبة والإتقان. لقد عملا بجهدٍ شاقّ وتعبٍ طويل كي تبدو أعمالهما عفوية وبسيطة، وكأنها وُلدت بلا عناء، فيما يكمن سرّ الإبداع الحقيقي في هذه السهولة المتقنة.

٤. كيف تُفسَّر العلاقة بين الكلمة واللحن في التجربة الرحبانية؟

-تختصر عبارة عاصي الرحباني في رثائه الأب بولس الأشقر هذه العلاقة حين قال: «الكلمة أخت النغمة». ففي التجربة الرحبانية، لا تسبق الكلمةُ اللحنَ ولا اللحنُ الكلمة، بل يولدان معًا في وحدةٍ فنية متكاملة

الضيعة الرحبانية هي صورة الطيبة والبساطة والصفاء؛ صياغةٌ رمزية لكيانٍ ثقافيّ متخيَّل.

٥. في سياق تفاعل الكلمة واللحن، كيف تُقيِّمون دور السيدة فيروز: هل هي مؤدّية للنص واللحن أم شريك في إنتاج المعنى؟ وإلى أي مدى أسهم حضورها في ترسيخ هذه التجربة في الوجدان العام؟

-صوت فيروز حالةٌ فنية استثنائية لا تُجارى، وقد شكّل الوعاء الأجمل للإبداع الرحباني. لم تكن مجرّد مؤدّية، بل شريكًا أساسيًا في إنتاج المعنى وترسيخ التجربة الرحبانية في الوجدان العربي واللبناني.

٦. ما المعايير التي تميّز التأثّر الإبداعي بالمدرسة الرحبانية عن الوقوع في فخّ الاستنساخ؟

-التأثّر الحقيقي يولّد إضافةً جديدة، أما الاستنساخ فهو فعل التقليد العاجز عن الابتكار. والمدرسة الرحبانية، بما حملته من فرادة وخلقٍ فني، لا تُستعاد بالتكرار بل بفهم روحها الإبداعية العميقة.

٧. في ظل التحولات المعاصرة المتسارعة، ولا سيما مع صعود الذكاء الاصطناعي وتغيّر أنماط التلقي الثقافي، لو نشأت تجربة الأخوين رحباني اليوم، كيف كانت ستتبدّل أدواتها التعبيرية؟ وهل كانت فلسفتها الفنية ستظل قادرة على الصمود أمام ثقافة الاستهلاك السريع؟

-العمل الرحباني لم يُخلق للاستهلاك السريع، بل ليبقى. لذلك، مهما تغيّرت الأدوات والتقنيات، بما فيها الذكاء الاصطناعي، فإن جوهر هذه التجربة القائم على العمق الإنساني والجمالي كان سيظل قادرًا على الصمود والاستمرار.

التوثيق ليس مجرد حفظٍ للماضي، بل مشاركةٌ في صناعة الذاكرة الجماعية

٨. واجهت التجربة الرحبانية قراءاتٍ نقدية اعتبرت أنها غلّبت البعد الجمالي والرومانسي على حساب تمثيل الواقع الاجتماعي والسياسي الأكثر قسوة؛ كيف تَقرأون هذا الطرح اليوم؟ وهل يمكن اعتبار “الجمال” في مشروع الرحابنة خيارًا فنيًا مقصودًا بذاته أم موقفًا من الواقع؟ وبصورة أوسع، أين تقفون بين سؤال الفن: هل هو للمجتمع أم للجمال؟

-كثيرٌ من النقد يزول مع الزمن، فيما تبقى الأعمال الكبرى. والتجربة الرحبانية أثبتت خلودها لأنها جعلت من الجمال موقفًا فنيًا وإنسانيًا في مواجهة قسوة الواقع، لا هروبًا منه. فالفن الحقيقي قادرٌ على خدمة المجتمع من خلال الجمال ذاته.

٩. كتابكم «في رحاب الأخوين رحباني» يوثّق هذه التجربة؛ إلى أي حد يمكن أن يتحوّل التوثيق نفسه إلى فعلٍ يشارك في صناعة الذاكرة والوجدان؟

-أرى كتابي محاولةً متواضعة لإضاءة جانبٍ من شمس التجربة الرحبانية الساطعة. فالتوثيق ليس مجرد حفظٍ للماضي، بل مشاركةٌ في صناعة الذاكرة الجماعية، شرط أن يقوم على منهجٍ علميّ رصين بعيدًا عن التنظير والانطباعية.

اترك رد

اكتشاف المزيد من نادي الكتاب اللبناني

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة