حوارٌ نقترب فيه من الشاعر، لنكتشف الإنسان.
“الإعلامُ مهنتي، لكنَّ الشعرَ هو أنا”
1. القصيدة أم الحوار.. أيهما كشف لك الإنسان أكثر؟
كلاهما نافذتان مختلفتان على غرفةٍ واحدة. الحوارُ كشفَ لي تناقضاتِ الإنسان، تموضعاته، أقنعته، ورغبته في أن يبدو أفضلَ مما هو عليه. أمّا القصيدةُ، فكشفت لي جوهرَه، ذلكَ الجزءَ الذي لا يستطيعُ التعبيرَ عنه إلا حينَ يخلو بنفسهِ. الحوارُ يُريكَ الوجهَ الذي يختارُه الإنسانُ للآخرين، والقَصيدةُ تُريكَ الوجهَ الذي يخفيهِ حتى عن نفسه. لذا، لا أستطيعُ الفصلَ بينهما. فالإعلامُ مهنتي، لكنَّ الشعرَ هو أنا.
2. لقاءٌ لم ينتهِ بانتهاء الحوار..
اللقاءاتُ التي تبقى هي تلكَ التي تُحدثُ فينا خرقًا. لقائي الأولُ بالحياةِ بعدَ ما يشبه الموتِ، حينَ كنتُ في غيبوبتي إثرَ مضاعفاتِ كورونا، كانَ لقاءً لم ينتهِ. شعرتُ بروحي تنفصلُ عن جسدي. ذلكَ اللقاءُ غيّرَني جذريًا، وعلّمني أنَّ الحياةَ ليستْ حقًّا، بل هبةٌ تُستعادُ. صرتُ أنظرُ إلى كلِّ يومٍ وكأنهُ استثناءٌ جميلٌ، وإلى الناسِ وكأنَّ لقاءاتنا معهمْ لحظاتٌ عابرةٌ يجبُ ألّا نُضيّعها في غيرِ الحبِّ.
3. هل يكتب الشاعر ما يعرفه، أم ما يعجز عن معرفته؟
الشاعرُ يكتبُ ما يعرفه ليصلَ إلى ما يجهله. القصيدةُ ليستْ إجابةً، بل سؤالٌ مفتوحٌ على مصراعيهِ. هي محاولةٌ لترجمةِ ذلكَ الشعورِ الغامضِ الذي يعتمرُ الصدرَ، ذلكَ الذي لا تستوعبُه اللغةُ العاديةُ. نحنُ نكتبُ لنفهَمَ لا لنُفهمَ.
4. فكرةٌ آمنتُ بها ثمّ أعادتْ الحياةُ صياغتَها..
كنتُ أؤمنُ بأنَّ القوةَ تكمنُ في المنعةِ والصلابةِ، في ألّا يُراكَ أحدٌ ضعيفًا. لكنَّ تجربةَ المرضِ والاعتقالِ وفقدانَ الوالدِ لحظةَ خروجي من المعتقل الإسرائيلي، علّمتني أنَّ القوةَ الحقيقيةَ تكمنُ في القدرةِ على البكاءِ، وفي الاعترافِ بالهشاشةِ، وفي القولِ: «أنا شخصيةٌ عاطفيةٌ، قد أبكي بسببِ فيلمٍ أو مسلسل». الضعفُ الظاهرُ قد يكونُ أقوى وجوهِ القوةِ.
5. كيف تميّز بين النضج والاستسلام؟
النضجُ لا يعني إخمادَ الشغفِ، بل أن يغدو الشغفُ أعمقَ وأكثرَ توهجًا. الاستسلامُ هو أنْ تتوقفَ عنِ الرغبةِ. أمّا النضجُ، فهو أنْ تغيّرَ وسائلَكَ لتحقيقِ رغباتِكَ، وأنْ تتقبّلَ أنَّ بعضَ الأحلامِ قدْ تأخذُ طريقًا آخرَ، لكنّ الجوهرَ يبقى مشتعلًا.
“الخساراتُ لم تمنحني صفاتٍ جديدة، بل جرّدتني من الأوهام”.
6. الخسارات.. هل صنعتك أم كشفتك؟
الخساراتُ كشفتْ عمّا كانَ كامنًا فيّ. الإنسانُ أشبهُ بتمثالٍ من حجرٍ، الخساراتُ هي النحاتُ الذي يُزيلُ الزوائدَ ليكشفَ عنِ الشكلِ النهائيّ. هي لمْ تمنحني صفاتٍ جديدةً، بل جردتني منِ الأوهامِ، وأرَتني جوهرَ إنسانيتي التي كنتُ أؤمنُ بها، كما قلتُ سابقًا: «الصفة التي أحب هي صفة الإنسان».
7. كيف تحافظ الكلمة الهادئة على سلطانها في زمن الضجيج؟
الهدوءُ ليسَ ضعفًا، بل هوَ قوةٌ لا تحتاجُ إلى رفعِ الصوتِ. في زمنِ الضجيجِ، الكلمةُ الهادئةُ كالنقطةِ السوداءِ على بياضِ الورقِ، الجميعُ يراها. أنا لستُ هادئًا بقدرِ ما أنا مذعورٌ من الفوضى التي تعم الكوكب ومن خراب العلاقات الإنسانية. هذا الذُّعرُ هوَ ما يجعلُ كلمتي مُركّزةً، لأنها ابنةُ خوفٍ حقيقيّ من الضياعِ في تلكَ الفوضى.
8. الذاكرة القوية أم شجاعة النسيان للوفاء بالنفس؟
كلاهما ضروريّ. الذاكرةُ القويةُ هيَ أرضُنا التي ننتمي إليها، وهيَ التي تحفظُ لنا هويتنا، كتلكَ الذاكرةِ المفعمَةِ بالتفاصيلِ عن طفولتي في بلدةِ «عيناتا». لكنَّ شجاعةَ النسيانِ هيَ جناحانا للطيرانِ. فالتمسّكُ بكلِّ جرحٍ يمنعُنا منِ الحياةِ. الوفاءُ للنفسِ ليسَ تثبيتَها على حالٍ، بل هوَ أنْ نأخذَ منها ما يُعينُنا على المضيِ قدمًا.
“لا أطمحُ إلى سلامٍ راكد، بل إلى سلامِ العاصفةِ في مركزها”.
9. الحب في رؤيتك…
الحبُّ بالمطلق هوَ الطريقُ الذي يُعرِّفُ الإنسانَ إلى ذاتهِ ويعيدُ تشكيلَهُ. إنهَ ليستْ لحظةَ اكتمالٍ، بل رحلةُ نقصٍ دائمةٍ نكتشفُ فيها أنفسنا. في الحبِّ، نرى انعكاسَ أرواحنا في عينِ الآخرِ، فنكتشفُ فيها ما كنّا نجهلُ. أما الحب بمعنى العلاقة الغرامية بين رجل وامرأة فهوَ عندي أولاً الغوص في إنسانية المرأةِ قبلَ أيِّ شيءٍ آخر، وهوَ ما يدفعُنا لأنْ نكونَ أفضلَ، ثم يأتي المزج بين الروحي والفكري والحسي، وكل ما يشكل أفكارنا ومشاعرنا ورغباتنا.
10. تجربةُ المرضِ.. ماذا غيّرتْ في نظرتك؟
غيَّرتْ كلَّ شيءٍ. رأيتُ هشاشةَ الإنسانِ، لا كفكرةٍ، بل كحقيقةٍ ملموسةٍ على سريرِ المستشفى. علّمتني ألّا آخذَ الحياةَ كأمرٍ مسلّمٍ بهِ. صرتُ أرى في الآخرينَ كائناتٍ هشّةً تستحقُّ الرحمةَ لا الأحكامَ. بالنّسبةِ لنفسي، اكتشفتُ أنَّ لديَّ رغبةً جامحةً في العيشِ، وأنَّ الموتَ ليسَ نقيضَ الحياةِ بقدرِ ما هوَ جزءٌ منها يُذكرنا بقيمتها. عدتُ منَ الموتِ لأعيشَ الحياةَ كقصيدةٍ جديدةٍ.
11. هل يبلغ الإنسان سلامه الداخلي، أم القلق قدره؟
القلقُ هوَ ثمنُ الوعيِ. منْ يريدُ أنْ يفهمَ الحياةَ بعمقٍ، لا مفرَّ لهُ منَ القلقِ. السلامُ الداخليُّ ليسَ غيابَ القلقِ، بل هوَ القدرةُ على العيشِ معه، وتحويلِه إلى طاقةٍ إبداعيّةٍ. أنا لا أطمحُ إلى سلامٍ راكدٍ، بل إلى سلامِ العاصفةِ في مركزِها.
12. خلاصةُ الرحلةِ في جملةٍ واحدةٍ..
الجملةُ التي أتمنّى أنْ تبقى هي: «في النهاية، ما يميزُ شخصًا عن سواه هو مقدارُ إنسانيتهِ وكيفيةُ تعاملِه معَ الوجودِ والكائناتِ». فالإنسانُ هوَ بيتُ القصيد، وكلُّ ما نكتبُه أو نقولُه هوَ محاولةٌ لفهمِ هذا البيتِ وسكانِه.
- حوار مع الإعلامي و الشاعر زاهي وهبي - أغسطس 11, 2026
- يوسف يونان طراد:صلاة النقد و قلق الانطباع - يوليو 3, 2026
- حوار مع عازف الكمان جهاد عقل - يونيو 23, 2026
