بقلم المهندس مازن عابد

الحوادث والملمّات الكبرى التي تلمّ بوطن، كما بمجتمع، تلقي بظلالها الثقيلة على مساره العام، ولا سيّما على ثقافته ونشاط أبنائه الفكري. فالأزمات لا تهزّ البنى المادية فحسب، بل تهزّ البنية المعنوية التي يقوم عليها الوعي الجمعي، وتختبر قدرة الإنسان على التماسك حين يضيق الأفق وتتكاثر المخاوف

لأنه بالواقع، كل من يعتبر نفسه مثقّفًا، واجبٌ عليه أن يقارب ما يحصل في محيطه ولا يسعه أن يبقى محايدًا ومتفرّجًا دون أن يتفاعل مع الحدث، ويتضامن ويشعر. لا يمكنه أن يبقى في برجٍ عاجيّ غير معني بالأحداث وتداعياتها وانعكاسها على نواحٍ كثيرة. فالمثقف ليس مؤرّخًا للخراب وحسب، بل شاهدًا أخلاقيًا، وصوته جزء من مقاومة الانزلاق نحو اللامبالاة

لبنان لم تبرأ جراحه بعد. بعد شهرين داميين بدءا من آخر شباط المنصرم، تضاف إلى ندوب لا تحصى ولا تعد في تاريخه الحديث والقديم. وكل جرح جديد يعيد فتح القديم، فيذكّر بأنّ ذاكرة الألم لا تُمحى بالتجاهل، وأنّ التعافي لا يبدأ إلا إذا اعترفنا بحجم الكسر وسمّينا الأشياء بأسمائها. 

وإن كنا نقارب الأحداث ليس من موقع السياسة أو الاصطفاف، بل من الموقع الوطني والمسلّمات الوطنية والإنسانية، فإن ذلك لا يعني تغييب التحليل أو تبرير التقصير. بل على العكس، المقاربة الوطنية تفرضسؤالًا أعمق: ما الذي يجعلنا نشترك رغم اختلافنا؟ وأين تتقاطع مصالحنا الحقيقية بعيدًا عن الخطابات الاستهلاكية؟

نحن في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، حيث سهولة التفاعل والتعليق وإبداء الرأي جعلت من كل هاتف منبرًا، ومن كل مستخدم ناشرًا. هذا الفضاء المفتوح للجميع دون حسيب أو رقيب يمنح فرصة غير مسبوقة للحوار، لكنه يمنح أيضًا مساحة للفوضى اللفظية والتحريض والتشهير. وهنا يظهر معنى مسؤولية الكلمة: أن نعي أنّ ما نكتبه في ثانية قد يُقرأ في ألف مكان، وأنّ أثره لا يتوقف عندنا

لنسلّط الضوء على آفات النشر و الآراء و الاساءات علينا اولا ان نوصّف الواقع المرير الناتج عن الجولة الاخيرة من الحرب المدمرّة المستمرّة حيث أنّ البعض لم يفطن لهول المأساة، أو أصبحنا نعيش في زمنٍ تخدّرت فيه العقول وتجمّدت الأحاسيس، في عهد الوسائل الإلكترونية التي تُسمّى، مع التحفّظ، وسائل التواصل الاجتماعي. التحفّظ هنا ضروري، لأن التواصل الحقيقي يقوم على الفهم المتبادل لا على تبادل الاتهامات

سأعدّد بعضًا من عناصر المأساة التي ألمّت بهذا الوطن، ولم تحرّك لدى البعض الحس الوطني والإنساني:  قرى وبلدات بأسرها تهدّمت، نُهبت، جُرفت. هل لنا أن نعي أنّ في كل منزل حكاية ووجع وحنين؟ هل يمكن للبعض أن يضع نفسه مكان مهجّر من منزله ولم يرتكب ذنبًا؟ التهجير ليس رقمًا في خبر عاجل، بل كسر في علاقة الإنسان بمكانه، وبطفولته، وبذكرياته التي لا تُستعاد

ما لا يقلّ عن ألفين وخمسمئة شهيد، معظمهم في سنّ الشباب، بغضّ النظر عن انتمائهم السياسي والعقائدي، هم بكل الأحوال لبنانيون. بعملية حسابية تقديرية بسيطة نستطيع القول إنهم يشكّلون ما يقارب الـ5% بالمئة من شباب لبنان! أيًّا تكن الأسباب والمسببات، كيف لا يجمعنا شعور واحد بالخسارة، وموقف واحد من الفاعل؟ حين نختلف على قيمة الحياة نفسها، نكون قد فقدنا البوصلة

ومن المشاهد التي تستحق الدراسة، كيف كان يتجمّع بعض الناس أمام بناء جرى الإنذار بقصفه! ويعلو الهتاف حين يتم القصف. هذا المشهد يكشف أزمة أعمق من الانقسام السياسي، إنه تآكل التعاطف الإنساني وتحوّل الألم إلى مادة للاستعراض. المجتمعات التي تصل إلى هذه النقطة تكون قد دخلت مرحلة الخطر الأخلاقي قبل السياسي.قد يكون الانقسام السياسي مفهومًا في وطن التنوّع والتعدّد، ولكنّه لا يشكّل مبررًا لعدم التعاطف الإنساني مع المنكوبين من أبناء الوطن، ولا مبررًا لاختراق حرمة الموت والإساءة. كما لا يبرّر هذا الانقسام التطاول على الرؤساء ورموز الدولة بكلام لا يليق. فالنقد حق، لكنه يختلف عن التشفي والتشهير. ولنتذكّر جميعًا أنّ العدوّ واحد، وشرّه طال الجميع، تلك مسلّمة يجب ألّا تغيب وإن اختلفنا في التفاصيل

النهوض من هذه الحال يتطلب استعادة دور الثقافة كحاضنة للقيم المشتركة. الثقافة ليست ترفًا، بل جهاز مناعة معنوي. والمسرح، والرواية، والشعر، والمقالة، كلها أدوات لإعادة بناء اللغة المشتركة بعد أن تشوّهت بالكراهية. وحين تستعيد الكلمة وزنها، يستعيد المجتمع قدرته على الحوار

لنرتقي إلى مستوى الحدث، لنكون جديرين بالانتماء لهذا الوطن-الرسالة لبنان. وللنضال أشكال عدّة أبرزها الثقافة والكلمة الحرّة المسؤولة. وهذه الحرية حتى تتحقق يجب أن نعي أنّ حرية القول من أرفع ما منحه العقل الإنساني لصاحبه، غير أنّ هذه الحرية لا تُقاس بمدى الجرأة في الإساءة، وإنّما بمدى القدرة على إقامة الحجة وإظهار الرأي في ثوب من الأدب والإنصاف

فليس من الحكمة أن يتحول التعبير عن الرأي إلى وسيلة للتجريح، ولا أن تُستبدل قوة المنطق بفظاظة اللفظ والشتيمة. فإنّ الكلمة الجارحة وإن نُسي قائلها فإنّ أثرها لا يزول سريعًا من نفس سامعها. والكلمة المسؤولة لا تضعف الموقف، بل ترفعه، لأنها تكسب احترام الخصم قبل الصديق

وواجب الناشر على منصات التواصل أن يستحضر أنّه يخاطب بشرًا لهم عقول تُقدّر، ومشاعر تُراعى، وأنّ ما يُكتب اليوم يبقى شاهدًا على صاحبه غدًا. الأرشيف الرقمي لا يرحم، وما يُظنّ أنه منشور عابر قد يعود بعد سنوات ليعرّي صاحبه أو لينصفه

فليكن الاختلاف دافعًا إلى الحوار لا إلى الخصومة، وليكن النقد سبيلًا للإصلاح لا وسيلة للتشهير. ولتُراجع الأخبار قبل نشرها حتى لا نكون عونًا على نشر الزيف. في عصر السرعة، التأنّي فضيلة، والتحقّق واجب، والتراجع عن الخطأ شجاعة

وإذا زلّت القدم فالرجوع إلى الصواب والاعتراف بالخطأ أولى من التمادي. فذلك أدعى لحفظ المروءة وصون المودة بين الناس. والمجتمعات الراقية لا تُقاس بعدم وقوع الخطأ، بل بطريقة التعامل معه

تلك هي أعراف عامة وبديهيّة في المجتمعات الراقية، حيث تنتهي حرية المرء عندما تبدأ حرية الآخرين. حيث لا يمكن أن تكون الإساءة وسيلة تعبير. وإن غابت تلك الأعراف، يجب أن تُحمى القيم بالقوانين، وعلى الدولة عامةً ووزارة الإعلام خاصةً كما القضاء أن يقوموا بدورهم لوقف هذه الهستيريا الإعلامية المؤذية. لكن القانون وحده لا يكفي، فلا بد من تربية إعلامية تعيد للجمهور القدرة على التمييز بين الخبر والرأي، وبين النقد والافتراء

سنبقى على اليقين بهذا الوطن، لبنان الرسالة، لبنان الحضارة، مهما قست عليه الظروف، سواء الداخلية أو الخارجية. سيتغلّب عليها وينهض كطائر الفينيق، لأن ما يبقي الأمم حيّة ليس قوتها المادية وحدها، بل قدرتها على استعادة المعنى، وعلى أن تقول لنفسها في أحلك اللحظات: نحن هنا، ولنا ما نستحق أن نعيش من أجله

المهندس مازن عابد

By Roger Saad

ناشط بيئي

اترك ردإلغاء الرد

اكتشاف المزيد من نادي الكتاب اللبناني

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

Exit mobile version