بقلم رنا الحلواني

بين العقلِ والصقلِ: عينُ الصواب

تراه مكمن البقاءِ المعرّف ومنه دامَ إسمُكَ، وعند كمينِ لقاءِ الذكاءِ بالإختبارِ المعرِّف دامَ رسمُكَ… لوجودِكَ لنهجِكَ في الحياةِ لتصوّرِكَ، لتكون أنت لتكون هذا العاقل في هذا القدرِ لتفرضَ نفسك، فتحيا فتحسمُ حسمكَ، روحٌ تنبضُ بقيادةِ العقلِ، وأنطق يا أيها العقل وقل بما ينصحُ “. فكلُّ إناء بما فيه ينضحُ”.

وقل يا أيها الإنسان إني على صورة الله قد خُلقتُ، إلهي ميّزني عن سائر الكائنات، فلا تجعل من الفكرِ مجرّد فكرة من جمادٍ، وتزيّنَ الخلقُ بما خلقوا “العقل زينة”، ولتصافحني مفاهيمك لأدرك من أنت، وإلقي التحية الفكرية لأدرك العقل السليم لأردّ التحية وإلا ستردُّ إن لم تكن شعاعاً على دربِ الصحةِ.

لكن مهلاً ودَعَوا الناس تتمايزُ بمستوى التفكير العطاء والإبداع، بين الفطرةِ والصقلِ تمتحنُ العقول، عندها دعها للتعارفِ بما أجهدت وأجهزت وأجهرت، وإن إنطلقنا من بديهيةِ أمرٍ ليست كلها عبقرية، هل جميعها ذكية فكيف تقاربُ النسبة! ومن يتمرّسُ صيغة المذكر أو المؤنث، وهل يفترسُ قيدها العمر!.

لا بدّ من التعريفِ المفعّلِ للعقلِ بإعتباره قوة غريزية أو ملكة ذهنية إدراكية للشخص تتضمنُ الوعي والفهم والذاكرة واللغة والإستدلال وتركيب التصوّرات والتصديقات التمييز بين الحق والباطل…، لغوياً “الحبس والمنع والنهى”، ضد الجهل والحمق، عرّفه الإمام فيروز آبادي:”أنّه نورٌ روحاني به تدركُ النفسُ العلوم الضرورية والنظرية”.

إجحافٌ الإتيان بتعريفٍ شاملٍ، إنصافٌ التذكير بعباقرةٍ خلّدها التاريخ غيّرت مجرى البشرية، وما أنتجته هذه العقول من إختراعاتٍ وإبداعاتٍ…، ومدى فائدتها وضرورتها، كم سهّلت الحياة، وكم جعلت العالم قرية صغيرة.

تطولُ اللائحةُ تعدّدُ الأسماء ولا تُحصى، من (الخوارزمي) أوائل علماء العرب في الرياضيات (علم الجبر)، ماري كوري أول إمرأة نالت جائزة نوبل، تتباعدُ الأسماء لتلتقي في ذكائها.

لكن هل ضياء العقول حكراً على الراشدين! أين الصغار من إبتكاراتهم! واليقينُ يدحضُ الشك عبر النابغة الإمارتي (أديب البلوشي) والمخترع اللبناني (علي طليس)، أسماء على سبيل المثال تجاهرُ ما من علاقةٍ بين العمرِ والإبداع، ولسنا ممن يلهو بالألعابِ “الولادية”، لكن “أكبر منك بيوم أخبر منك بسنة”؟ قد أخبرَ وقارُ شاب أخبرُ الشيبِ، الكبارُ بركة، العمرُ إجباري والرشد العقلي إختياري.

وإن تأرحجت الثقة ففي ميزانِ الذكاءِ لمن ترجّحُ الكفّة للرجال أو للنساء؟ علمياً دماغ الرجل أكبر (14%)، أهذا دليلُ يكفي! لا ليتباهى الرجال، فالدراساتُ تشيرُ أنّ دماغ المرأة تسبقُ بالنضجِ دماغ الرجل وأكثر شباباً بأربع سنوات، فإذاً الذكاء ليس منحازاً بيولوجياً لصيغةٍ بل مجازاً لصبغةِ القدرات الذهنية، فمهاراتُ الرجل مكانية تحليلية وتركيز في مهمةٍ واحدة، ومهاراتُ النساء لغوية الذاكرة وتعدّد المهام… .

ولنحدّق بعلاقةِ الجمال بالعقلِ، ومقولة “كوني جميلة واصمتي”، أتعني كل إمرأة تعتني بمظهرها بلهاء! ألا تكون فاتنة وفطينة! أليس “وراء كل رجلٍ عظيمٍ إمرأة”!، أليست “المرأة التي تهزُّ المهد بيمينها تهزُّ العالم بيسارها”!، ومن “مقولة العين بالعين والسن بالسن” أيكون الإنطباع الأول لرجلٍ حسن الهندامِ تبوءه منصباً مرموقاً أو خباء الغباء!؟.

وطرحٌ وجيه مدى لزوم الذكاء بالتحصيلِ الاكاديمي! (وليم شكسبير) تركَ المدرسةَ بسببِ الفقرِ، (توماس أديسون) طُردَ من المدرسةِ ووصِفَ “بالغبي”، (أجاتا كريستي) تلقت تعليمها على يدِ والدتها، فإذاً التفوقُ يفوقُ الدراسة ليعطي درساً أنّ الشغف العلمي منحة فكرية فطرية، والشطارةُ ترتبطُ بالذكاءِ لا الشهادة.

ومقرُّ الذكاءِ في العقلِ، والعقلُ أين موطنه ليستقرّ! أهو في الدماغِ أو القلبِ! يقعُ العقلُ في الدماغِ المسؤول عن الإدراك والتفكير، هو نتاجُ نشاط الدماغ، وهو الجزء الرئيسي من الجهاز العصبي، في حين وردَ في القرآن الكريم”فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها” ليعتبر القلب مركز الوعي والتعقل والإيمان، ويقول الإمام إبن القيم أنّ العقل نورٌ منشأه وأصله القلب وفروعه الدماغ. فالعقلُ ليس عضواً بل منظومة وظيفية على تواصلٍ مع القلب.

بين الأصيلِ والمصطنعِ شدّ حبالٍ، الذكاء البشري صناعة إلهية والذكاء الإصطناعي صناعة بشرية عُرفَ مع (آلان تورينج) و(جون مكارثي) كنظامٍ علمي يعتمدُ البيانات والخوارزميات، يتميز بالدقة والسرعة لكن يفتقرُ الفهم العاطفي والحكمة وقيم الذكاء البشري.

ليتدخّل الروبوت (الإنسان الآلي) منافسٌ مبرمج لأداء مهام محددة، ويعتبر (الجزري) أول مخترع الروبوتات ميكانيكية(13م)، لتغزو عصرنا ثورةٌ في المستشفيات والمصانع…، مهام دقيقة ترفع الإنتاجية وتقلّلُ الأخطارَ، وبعد (أطلس) يجيدُ الجمباز، و(أوبتيموس) يعزمك على الرقص والدبكة.

وبين الصانعِ والمصنوعِ سلاحٌ ذو الحدين وقد يكون من الممنوعِ، كالرصاصة التي ترتدُّ (سكترما)، تأثيراتٌ تحذرُ كسل ذهني إنحسار الإبداع بطالة…، ولعلّ حزام أسود يلتفُّ المستقبل، والتراثُ والعادات ولا يوجد من يحييها ولا من يحيون.

وإذا العقلُ سلامُ البشرية، إستبسلت الإنسانية لن أهرب من السؤال الأغرب: إذا وهبتَ لأجلي لما تميلُ إلى الحروب الجريمة الإفتراء…، لما تميل إلى الشر! لعل يتراوحُ في نفوسٍ ضعيفة تبتغي التسلّط، تعاني ضغوط وإضطرابات نفسية، صدى أوجاع لتربيةٍ أو بيئية أو لمكانةٍ “خالف تُعرف”، لكن لم تعرف أنّك ستعرف بمذمةٍ، فلا تزج إسمك في إثمك.

الضوءُ لم يلق على كافةِ كفاءات كفلها ولم يغفلها التاريخ والحضارة والنهضة، عظماء من بلادي: كمال جنبلاط شارل مالك جبران خليل جبران محمد المير حسن كامل الصباح…، عظيم يا بلدي، وأسفٌ على هجرةِ الأدمغةِ.

العقلُ هبة توصي بالذكاءِ، يصقل بالمطالعة المتعمقة والتثقيف والتفكير النقدي، ليحاربَ الجهل، ولا يقيده العمر، (راشد غرز الدين) أربع سنوات ملمٌّ بعواصمِ الدول، (طرفة بن العبد) أصغر شعراء المعلقات (20 سنة)، (ليوناردو دافنشي) رسم لوحة الموناليزا(67 سنة).

ويُحكى أنّ (باولو كويلو) أُدخل مصحة عقلية وهو الروائي، وإن كنّا العقلاء وعقلية العاقل جود الجواب والعقلانية عين الصواب، واليسرُ إن عسَرَ الأمر “خذوا الحكمةَ من أفواهِ المجانين”!.

اترك ردإلغاء الرد

اكتشاف المزيد من نادي الكتاب اللبناني

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

Exit mobile version