كيف للنسيانِ وحتّى التناسي أن يسنو في سيرةِ الذاكرةِ كلما تسنّت تثني ثناءً لسناءِ وجودك وثبات ثقتك بثقافتك، وقد أتيتَ أيها المثقّف المتلقّف بهِمّةٍ لمَهَمةٍ مُهِمةٍ، قد أتيتَ أيها المتنوّرُ لتلهمَ أهمية المعرفة، وما همدَ عزمك جهلاً، وقد هدمَ هرمَ علمك تجاهلاً للعلومِ، وقد قدمَ معلّمٌ لأجلها… لأجلِ توثيقها وتوثيق الصلة معها لأجلكَ لتمضي قُدماً قدراً مضيئاً تربوياً، وللرسالةِ رسولٌ، وكلُّ رسولٍ لأجلِكَ أنت لإعلامك لإعلاءِ علومك، وللمهامِ بالإتمامِ والإسباغ من مخزونٍ لا الفراغِ، “وما على الرسولِ إلا البلاغ”.
وفي رحلةِ الإكتسابِ هذه كثيرةٌ هي المحطات، كثرت لكثافةِ الدروسِ، كثرت لتوالي لتعاقب حقبات فيها من التوجّهاتِ والجبهات، فيها من صفوة الحياة والتجلّيات، فيها الإخاء والآراء، النخبة والنخوة، وفيها من ما ألفها من ألفِ ميلٍ وما إلتفت لمرآته، فيها الخذل والعدل…، كثرت لتتقاطر على صفحةٍ بيضاء تُملأ منذ أن تتصفّحَ أوراقَ هذه الحياة، بين مقاعدها وتلك التي حُجزت في المدارسِ، كثرت المقاعدُ لتتماهى، وعن فصولها لا لتتعامى.
ومنذ البدءِ هنا ويا غلاوة البدءِ ويا حلاوة الرحلةِ تغتمرُ بغبطةٍ روحانية بصلةِ صلاةٍ وهو العليمُ… وثم لبُّ البدءِ فتعتمرُ الرسالةَ الأولى من المعلم الأولِ الأصلي والأصيل، أمام الملأ ملء بمروءةِ أجاويد الدروس، يجودُ حسمُ الكلامِ وحسنُ الختامِ يعودُ، هنا تبدأ الحكاية تنكبُّ بحريرِ خطوطٍ ذهبية، وإنّ الكمالَ عِبرُ الكرامِ، والكرامة أنثى والتاء مربوطة بالكرامِ وحفظُ المرامِ، وإنَّ الحياةَ عزّةٌ عبرةٌ لا مجرّد عبورٍ، ولا مجرّد مرور الكرامِ، وعِبْر نورِ العلمِ في نفقِ الظلمِ والظلامِ.
وأمسكي أيتها الطفولةُ بحقيبتكِ وتمسّكي بالدراسة، وإجلسي على مقاعدِ حاضرٍ توعوي إجهدي وإجهزي، إنهضي أيتها الطفولة باكراً… نحو مستقبلٍ يندهُ لكِ… وأجهري “العلمُ في الصغرِ كالنقشِ في الحجرِ”، في عهدةِ من يدركُ أنَّ التعليمَ ليس مهنة بنقل ونسخِ المعلومة بقدرِ رسالة الشرح والإرشادِ “المدرسة هي المكان الذي نتعلمُ فيه كيف نفكرُ لا ماذا نفكرُ – مارثن لوثر كينغ”، وبين العلامات والمعلومات يقول إبن رشد “الإمتحانات لا تقيس الذكاء بل القدرة على التذكر”.
وماذا لو إجتمعت صفاتٌ في صفٍّ وأضفت أثراً معلّماً، فالمعلّمُ الجيّد يبني المعرفة، والعظيمُ يبني الشخصية، والشاطرُ يصلُ إلى قلبِ الطالبِ قبل عقله “كيف أعلمه وهو لا يحبني – سقراط”، وفي حياةِ الأوطانِ كانت المدرسةُ في السلمِ مقصداً للأمانِ العلمي، وفي الحربِ للأمانِ السلمي، وقد عصفت ويلات، وقصفت الدروب، وتبقى الطفولة بذور الحياة لا ألغامُ الحروب، لا لصرخةِ البراءة للبشرية للإنسانية “عطونا الطفولة عطونا السلام…”، لا للعبةِ الأمم… فملاعبنا لألعابنا فليسمع العالم ومن به صمم.
وقد بدأت المدارسُ في التاريخِ العربي الإسلامي كحلقاتِ تعليمٍ في المساجدِ (دار الأرقم في مكة)، ثم عبر الكتاتيب لتعلمِ القراءة والكتابة والقرآن، ثم عرفت المدارس النظامية في العراق، فالمدارس الحديثة في مصر على يدِ الخديوي إسماعيل.
ومن طلبَ العلا من صلبِ العلمِ جلس تحت (السنديانة) حيت جاذبية الدروس على يدِ رجلِ دينٍ، سيما في قرى جبل عامل وعكار(19م)، وقد شيدت أول مدرسة مجانية في لبنان وسوريا (عين ورقة) في غوسطا (1789)، حوّلها البطريرك يوسف إسطفان من ديرٍ إلى مدرسة، وأولُ جامعةٍ في الشرق، ولقّبها مارون عبود ب(سوربون الشرق)، تعتبرُ أبرز معالم التراث التربوي المسيحي اللبناني.
وإلى مقاعدِ الحياة بدٌّ بعد كلِّ بدء، وبحكمك أيتها الحياة أقتدي، ومن دروسكِ أهتدي، “في المدرسةِ يعلمونك الدرس ثم يختبرونك، أما الحياة تختبرك ثم تعلمك الدرس- ألبرت أينشتاين”.
وفي كلِّ لحظةٍ تمضي نفيدُ ونستفيدُ نرضي ونجدي، أفكارٌ لنا إقتباسٌ تدريسٌ وتلقّفٌ حتى الممات، يفنى العمرُ فيحيا بالسيرةِ المعلّمِة… علمتني الحياة لقاءُ يُقرِنُ يقينَ النظري الأولي بالحياتي:
“التعلم عملية عقلية لتحصيلِ المعارف العملية والنظرية لتحقيقِ السعادة، وترتبطُ بالتربية الأخلاقية كسبيلٍ لإصلاحِ المدينة – الفارابي”.
“أنت أنا يا أخي… أنت الإنسان بل أنت وجه الرحمن – كمال جنبلاط”.
“الأخلاقُ هي عادة ليست حدثاً – أرسطو”.
الوعي بالجهلِ… “إني لا أعلم إلا أمراً واحداً هو إني لا أعلم شيئاً – سقراط”.
“جذورُ الصدقِ والفضيلة تكمنُ في التعليمِ الجيّدِ – بلوتارخ”.
“من فتحَ مدرسة أقفلَ سجناً – فيكتور هوغو”.
“التعليم أقوى سلاح لتغييرِ العالم – نيلسون مانديلا”.
“قم للمعلم وفّه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا – أحمد شوقي”.
الصداقةُ ندرةُ المحظوظين، وقد تُعتبرُ الطيبةُ ميزة الساذجين.
وأنّ الإهتمام يستحّقه أهل الإحترام، والشهامةُ فطرةُ أغنياء النفوس والملكة، والتجاهل صدقة جارية لفقرائها.
أنَّ أركانَ الإباءِ أرضٌ وعرضٌ وهي الفرضُ، والوطنُ هويةٌ وجذورٌ وإستبسالٌ حتى الشهادة.
علمتني الحياة أنّها “إنتصارٌ للأقوياء في نفوسهم”، علمتني الحياة وعلمتني… وعلّمت الأمة أنّها المدرسةُ الأعم، والمدرسةُ لمحو الأمية… ومنحتني الخبرةَ لأختارُ الخيرةَ فالأمان للمصطفى، وألحظُ في الصفحةِ ما على الهامشِ انتقى، وقراءةُ ما بين السطورِ، وقد حفرَ المعلمُ الحرفَ بحرفيةٍ وفرحٍ، ومع المعلّم الأول أرسطو تكون منحةُ الختامِ ” معرفةُ نفسكَ هي بدايةُ كلّ حكمةٍ”.
- نافذة الأمل … والحنين إلى علما الشعب - مارس 14, 2026
- وللرسالة ..رسلٌ وسبل! - مارس 9, 2026
- أبجديتي - مارس 9, 2026
