بقلم الكاتبة ليال أمان الدين

بيْن منقوشةٍ وكِتاب… وُلِد أديبٌ من جوعٍ آخر.

اليوم، اسمحوا لي أن تكون مقالتي عن رؤيةٍ عميقةٍ لشخصيّةٍ أدبيّةٍ مرموقة…
لن أتحدّث عن إنجازاتها الأدبيّة، فالحديث يطول، والجميع قارئٌ لكتاباته، عارفٌ بامتداد أثره في مساحات الكلمة…
لكنّني اليوم، سأكتب عن إنسانٍ حقيقيّ… في زمنٍ كثُرت فيه الأوهام.

أتحدّث عن فاروق خدّاج…
عن ذاك الذي لا يُعرَف بما كتب فقط، بل بما كانه قبل أن يكتب، وبما بقيه في قلوب من عرفوه.

التقيتُه… لا في منصّةٍ أدبيّة، ولا في ندوةٍ تُصفّق للكلمات،
بل التقيتُه كمنسّقٍ للّغة العربيّة في إحدى المدارس…
وكان اللقاء، على بساطته، أشبه ببوّابةٍ تُفتح على عمقٍ لم أكن أتوقّعه.

يومها، اعتذرتُ عن التعليم، وقلتُ له:
“كان لشرفٍ لي أن ألتقي بك، لكنّ طموحي أكبر، وتطلّعاتي أوسع…”
فابتسم… وكأنّه يدرك أنّ بعض الطموحات لا تُقاس بالوظائف، بل بما تتركه الأرواح في دروبها.

مضيتُ في رحلتي… لكنّ اللغة، كعادتها، لا تُغادر أهلها.
ظلّ الحديث الأدبيّ يجمعنا من حينٍ إلى آخر، وفي كلّ مرحلة، في كلّ سؤال، في كلّ حيرة…
كان يُغنيني أكثر، ويكشف لي طبقاتٍ جديدةً من الفهم،
حتّى بدأتُ أُدرك… أنّني أمام كاتبٍ لا يكتب فحسب، بل يُبصِر.

أدركتُ أنّ فاروق خدّاج…
هو ذاك الطفل الذي اختار، يومًا، أن يشتري كتابًا بدلًا من منقوشة…
وكأنّه، منذ ولادته، كان على يقينٍ خفيٍّ أنّ ما يُشبِع الكُتّاب…
ليس ما يُملأ به الجسد، بل ما يُروى به ظمأ الفكر.

فالطعام يسدّ الجوع…
أمّا الحرف، فيوقظ الحياة.

ومنذ تلك اللحظة، صار واضحًا لي…
أنّ ما نغتذي به حقًّا ليس ما نأكله، بل ما نقرأه، وما نشعر به بين سطور العبارات…
تلك الحروف التي تتآلف لتُصبح رسائل، وتتنامى لتغدو قصصًا،
وتتّقد لتصير رواياتٍ ومقالاتٍ تُشعل الفكر وتُهذّب النفس.

هو ذاك الكاتب الذي بنى “مكتبة الروح”…
واشترى أوّل مفاتيحها بثمنِ منقوشة.

واليوم… أستذكره، لا من باب الحنين، بل من باب الإدراك.
بعد أن قرأتُ له نصوصًا في ميادين متعدّدة، توقّفتُ طويلًا عند مقاله الأخير عن الشاعر جورج شكّور…

هناك، لم يكتب عن شاعرٍ فحسب،
بل كتب عن علاقةٍ تُشبه الامتداد، عن أثرٍ لا يُرى، لكنّه يُعاش.

استوقفني وصفه…
ذاك التقدير العميق، وتلك القدرة على التقاط المعاني الخفيّة بين التصرّفات،
حتّى توصّل إلى حقيقةٍ نادرة:
أنّ المعلّم الحقيقيّ… لا يُدرّس الأدب، بل يعيشه،
وأنّ من لا يحمل حسًّا أدبيًّا… لن يُنبت في غيره جمال الكلمة.

في سطوره، كان واضحًا…
كم يحمل فاروق خدّاج من امتنانٍ للشاعر جورج شكّور،
لما منحه من نصائح، وما أهداه من علمٍ وإحساس…
وكم كان لذلك الأثر أن يتسرّب إلى روحه… حتّى صار جزءًا من صوته.

فأيقنتُ… أنّه لا يكتب من فراغ،
بل يسير على خطى من أحبّ،
ينشر الأدب كما يُنشر الضوء،
ويُقدّم التقدير كما يُقدَّم الوفاء.

ولعلّ أجمل ما يمكن أن يُقال عنه…
أنّه لا يكتفي بأن يكون كاتبًا،
بل يُتقن أن يكون سندًا.

هو من اخترتُه ليكون أوّل من يطّلع على كتابي…
ولا أنسى… كيف أمضى الليل يقرأ،
وكيف بادرني صباحًا بكلماتٍ صادقة، مباركًا… داعمًا…
فجعل من يومي مساحةً من نور، ومن خطوتي… بدايةً أكثر ثباتًا.

وهأنذا اليوم، أراه بوضوحٍ أكبر…
أرى أثر جورج شكّور حيًّا فيه،
في عمقه، في إنسانيّته، في محبّته الصادقة لكلّ كلمةٍ تحمل أثرًا،
ولكلّ حرفٍ يترك بصمة.

فبعض الأدباء… لا يُكتب عنهم لأنّهم كتبوا،
بل لأنّهم علّمونا… كيف نكتب، وكيف نكون،
وكيف نترك، نحن أيضًا… أثرًا لا يُنسى.

اترك ردإلغاء الرد

اكتشاف المزيد من نادي الكتاب اللبناني

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

Exit mobile version