بقلم رحاب هاني خطار

في ذكرى الرحيل الرابعة للدكتورة نازك أبو علوان عابد

التراث الروحي ليس منظومة معقّدة من النصوص، ولا أفكارًا منفصلة عن الحياة، بل خلاصة تجارب إنسانية عميقة سعت إلى الإجابة عن سؤال يبدو بسيطًا، لكنه بالغ التعقيد في جوهره: كيف يعيش الإنسان بسلام داخلي، رغم التقلّبات، والفقد، وثقل التعلّق؟

عند ابن عربي وجلال الدين الرومي، لا نجد دعوة إلى الانفصال عن الحياة، بل محاولة للنفاذ إلى عمقها. كلاهما لا يطلب من الإنسان أن يكفّ عن الحب، بل أن يعيد النظر في طريقته فيه؛ أن ينتبه لا لما يحب فحسب، بل كيف يحب.

هنا يتبلور مفهوم العبور، وهو المفهوم الذي جسّدته الدكتورة نازك في كتابها “شجرة الجوز”، حين اعتبرت الفكر زادًا، ومعبَرًا من حالة الجمود إلى نبض الحياة المتجدّدة.

العبور في هذا السياق، لا يعني الهروب ولا التخلّي القسري، بل انتقالًا في الوعي: من سطح التجربة إلى عمقها، ومن التماهي الكامل مع الأشياء إلى القدرة على مرافقتها دون الارتهان لها.
أن تعيش التجربة نفسها، ولكن بعين أكثر اتساعًا.

في بداياته، يتعلّق الإنسان بما حوله تعلّقًا مباشرًا: يحب، يتمسّك، ويخاف الفقد ،وهذا طبيعي.
غير أن الإشكالية تبدأ حين يتحوّل هذا التعلّق إلى مركز الوجود، وحين يغدو الفقد انهيارًا لا احتمالًا.

إذاً التراث الروحي لا يقول: لا تحب، بل يقول: لا تجعل حبك سجنًا.

وهذا ما يتجلّى في منهج الدكتورة نازك، التي رأت في “الحوار”جوهر العلاقة الإنسانية، إذ يحرّر المحب والمحبوب من وهم التملّك، ويرتقي بهما إلى أفق المشاركة الروحية.

من هنا يبدأ العبور الحقيقي:
من حبٍّ مشوب بالخوف إلى حبٍّ مؤسّس على الثقة،
من تعلّقٍ يقيّد إلى علاقة تُغني دون أن تبتلع،
و من وهم الامتلاك إلى وعي “المرافقة”، حيث يغدو الآخر رفيق درب في رحلة المعرفة، لا موضوعًا للاستحواذ.
و في هذا الأفق، تأخذ فكرة “الاختبار”معنى مختلفًا: ليس كل ما نحب مهدّدًا بالزوال، بل كل ما نحب يكشف لنا ذواتنا. هل نحن متّزنون في هذا الحب؟ وهل نستطيع الثبات إن تبدّلت الظروف؟

العبور، إذًا، ليس فقدان الأشياء، بل تجاوز الطريقة القديمة في التعلّق بها. قد تبقى الأشياء كما هي: الأشخاص، الأحلام، الأماكن… لكن موقعها في الداخل يتغيّر. لم تعد مركزًا مطلقًا، بل جزءًا حيًّا.

وهنا تتشكّل السكينة، أو ما أسمته الدكتورة نازك “المزار” : تلك المساحة الخصبة في أعماقنا، حيث تستقرّ السكينة ويترسّخ اليقين، وحيث يصبح العبور من ضيق الذات إلى رحابة الروح هو الانتصار الحقيقي على الغياب.

اترك ردإلغاء الرد

اكتشاف المزيد من نادي الكتاب اللبناني

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

Exit mobile version