- سحر الحضور - مارس 18, 2024
- بين شقاءٍ وحب - يناير 30, 2024
- صفقة القرن العشرين - يناير 23, 2024
كان لي الشّرف بلقاء الأستاذ كريم الكوسا وإليكم الحوار الّذي دار بيننا
هل كان لديك شغف القراءة منذ كنت طفلا؟
-في الصّغر كنت أميل إلى الموسيقى أكثر من القراءة كما اللّعب ومشاهدة الأفلام الكرتونيّة، إلخ. عندما بدأ مشواري في الحياة، أي في سنّ المراهقة الأولى، حاولت الرّسم ولكنّي لم أفلح، بعدها تدرّبت على آلة الساكسوفون، لكنّها كانت تتطلّب التزاما، وجهدا كبيرا، فلم يكن باستطاعتي الاستمرار، فبعته واشتريت كتبا بثمنه. عندها، دخلت عالمي وأدركت أن البحث والمعرفة هي طريقي …
كيف بدأت بالكتابة؟
-عندما كنت في سن السّادسة أو السّابعة عشر تقريبا، بدأت تشغل فكري أمور كثيرة، وكنت أسأل أسئلة وجوديّة، من نحن؟ كيف تركّب الكون؟ أين هي حقيقة الإنسان في كلّ هذا الوجود الأرضي والكوني؟ ثمّ بدأت أهتم بالأديان وخاصّة المسيحيّة، والفلسفة البوذيّة، كما اهتممت بالبحث عن الحضارات، الحضارة الفينيقيّة، والمصريّة، إلى جانب البحث الإنساني-الرّوحي .كما كنت أقرأ عن الكثير من المواضيع العلميّة مثل الكون، والنظّريّات العلميّة المختلفة، وأبحث عن أجوبة لأسئلة بدأت تدور بشكل فوري في عقلي عن وجود الحياة خارج الأرض. مثلا، هل الكائنات الفضائيّة موجودة؟! يعني كلّ أبحاثي وقراءاتي كانت عن كلّ ما هو مجهول وغامض.
من هنا بدأت تولد لديّ أفكار، وأساس متعدّد المواضيع(في الدّين، التّاريخ، الفلسفة، الفلسفة والعلوم الباطنيّة). وكنت أكثر من الحديث عن هذه المواضيع مع الأصدقاء حتّى أنّه اتّهمني بالهرطقة نظرا للأفكار الّتي كنت أطرحها. فقرّرت أن أكفّ عن التّحدّث … وقررت أن أكتب أفكاري. وهكذا أصدرت (Self published) عندما كان عمري ٢٥ سنة، أوّل كتاب لي باللّغة الإنكليزيّة: التّأمّل في الوحدة الكونيّة Reflecting Unitas)) في مطبعة رعيدي، وهو يتحدّث عن الكثير من الأمور الدّينيّة، والعلميّة، والفلسفيّة.
بما أنّك بدأت مبكراً في الكتابة، وكانت رؤياك واضحة، لماذا لم تختر اختصاصاً يمتّ بصلة باهتماماتك، واخترت الإعلان والتّسويق؟
-هذا صحيح. سؤالك منطقي. الحقيقة، كنت أريد دراسة “علم الآثار”، لكن في ذلك الوقت، لم أكن متأكداً أن دراسة علم الآثار والعمل في لبنان بهذا الاختصاص سيكون فعلا الخيار الصّحيح، خصوصا أن هذا الإختصاص يتطلّب عملاً جدّيّاً وإداريّاً من الدّولة الغائبة أصلا عن التّاريخ والأركيولوجيا. ففكّرت عندها بما قد أجد به عملا أكثر، وربما منتِجاً أكثر، لذا توّجّهت إلى الإعلان والتّسويق.
هل ساعدك اختصاصك في تسويق كتبك؟
-نعم بالتّأكيد، لكن إلى حدٍّ ما، فاختصاصي ساعدني بتّسويق أوّل ثلاث كتب أصدرتها في لبنان ( self published )في مطبعة رعيدي. بعدها، قرّرت أن أتّجه نحو العالم عبر كتبي، فبدأت بمراسلة دور نشر في أميركا، بريطانيا، كندا وأستراليا لمدّة ٥ سنوات، حتّى اتّفقت مع دار نشر أميركيّة في ٢٠٠٥، لكن أتذكّر جيّداً بأنّ المسؤول عن الدّار لم يكن صادقاً، فتمّ فسخ العقد بين الطّرفين. ثمّ لاحقاً، في العام ٢٠١٠، وبعد مراسلات كثيرة إلى دور نشر جديدة، توصّلت أخيراً إلى توقيع عقد مع دار النّشر الأميركيّة الّتي لا أزال أنشر فيها حتّى الآن.
خمس سنوات من المثابرة، لم تيأس، حتّى حصلت على مبتغاك. هل الإصرار من طباعك، أم كنت تثق بما عندك؟
-عشر سنوات، خمسة أول مرة وخمسة تاني مرة … (يضحك) أنا معروف بإصراري على المضيّ قدُما ما أريد الوصول إليه دون إذعان، كما أنّني كنت متأكد باعتمادي على قوّة مضمون ما كتبت، فالمواضيع الّتي أطرحها مهمّة جدّاً وطريقة طرحي لها تختلف عن الطّريقة الّتي تُطرح أكاديميّا. فأنا لا أعتبر نفسي أكاديميّا وأحبّ كسر الحواجز وطرح المواضيع من منظار آخر يخلق جدليّة، مثلا في كتاب “يسوع الفينيقي”، لم أمشِ مع التّيّار المتعارف عليه، بل قمت بأبحاث كثيرة لإثبات أمور لم ترد مسبقاً في أيِّ بحثٍ أكاديميٍّ آخر.
هل أثّرأحدهم بطريقة تفكيرك ورؤيتك للمواضيع بطريقة مختلفة؟
-أنا متأثّر بالدكتور الأب يوسف يمّين بالنّسبة لنظريّة “المسيح ولد في لبنان لا في اليهوديّة”، وهذا هو بالظبط عنوان كتابه المهم جدّاً، الصّادر سنة ١٩٩٩. لكن الأب يوسف التزم بأسلوب محدّد بطرح هذا الموضوع كونه لا يستطيع الخروج عن الكنيسة، حتّى ولو كان طرحه هذا ثوريّاً، فهناك قوانين عليه الالتزام بها.
كيف كانت ردّة فعل مسيحيّي الشّرق من جهة، ومسيحيّي الغرب من جهة أخرى على هذا الكتاب؟
– أعتقد أن ردّات الفعل كانت جيّدة جدّاً، وكتابي “يسوع الفينيقي” الصّادر في الولايات المتّحدة (٢٠١٣)، لاقى نجاحاً في الغرب والشرق معاً. بعد إصدار الكتاب مباشرة، قمت برحلة إلى أميركا، ووقّعت الكتاب في عدّة أمكنة على الساحل الشّرقي، ومنهم كنيسة “سانت آن” في بانسيلفانيا التي يدير شؤونها كاهنٌ، كان لاتينيّا بالأصل، وإنتقل إلى المارونيّة. فهو من يرعى أمور الرّعيّة اللّبنانيّة المارونيّة هناك. استقبلني بحفاوة وفتح لي صالة الكنيسة لتوقيع كتابي. كان معجبا جدّا ببحثي. بعدها، عرّفني إلى كاهن آخر مختصّا بالقوانين الكنسيّة. وعندما كنّا نحتسي القهوة، اقترح عليّ فكرة مشاركتي في برنامج “أورايلي شو”. إقتراحه هذا وافق عليه كاهن الرّعيّة، ولكنّني لم أستطع قبول هكذا اقتراح عندها، لأنّ الأخير، أي “بيل أورايلي” معروف عنه أنّه محاور شرس، من الصّعب التّخلّص منه، خاصّة أنّه يبثّ مباشرة أمام ملايين المشاهدين. لم أكن جاهزا في وقتها لذلك…
وفي لبنان، بعد سنة من إصدار الكتاب، أي في ٢٠١٤، اجتمعت مع البطريرك الماروني وأعطيته رقمي بعدما طلبه مني، وشعرت في لقائنا آنذاك بأنّه يشاركني الرّأي. ومن بعدها التقيت مع السّفير البابوي في زيارة خاصة، وتحدّثنا عن موضوع الكتاب وقدّمت له نسخة كما أرسلت معه نسخة لقداسة البابا. فقال لي في حينها إنّ ما كتبته مهمٌّ جدّا والنّظريّات والمصادر والمراجع جيّدة، وأنّ ليس هناك شيءً مؤكّداً في التّاريخ، لكن ماذا أفعل بما هو مكتوب؟ فأجبته: “هل سؤالك موجّه لي أم تتحدّث بشكل عام؟” أجاب:” فلنعتبر أنّه لك”. فقلت له على الكنيسة مراجعة الموضوع وأنّهم عليهم تصحيح ما هو موجود. فابتسم. أخبرت هذه القصّة أيضا في مقابلة تلفزيونيّة مع الإستاذ “حبيب يونس” في برنامجه . على أي حال، بعد هاتين الزّيارتين بفترة قصيرة، اتّصلت بي عدّة تلفزيونات وإذاعات، ومواقع إخباريّة، خاصة الإذاعة والمحطّة التابعتان للكنيسة. فكان لي شرطاً واحداً لإجراء المقابلات تلك وهو أن أتحدّث بحرّيّة تامّة وأن لا يحذف كلمة من حديثي، فوافقوا، وتحدّثت بحريّة تامّة عن الموضوع. هذا ربّما يؤكّد أنّ الكنيسة على دراية بموضوع بحثي وليس لديها مشكلة بالطّرح. فإذا أردنا إجراء بحثٍ تاريخيٍّ، أركيولوجيٍّ، لاهوتيٍّ عن شخصيّة يسوع المسيح وبيئته وتعاليمه، فنجده لا يتماشى أبدا مع العهد القديم، فهناك الكثير من التّناقض والتّضارب بينهما. مثلا، وبكل بساطة، لا يوجد قيامة في اليهوديّة، بينما هي الأساس في الدّيانة المسيحيّة، وهي طبعا موجودة عند الفينيقيّين كما والمصريّين أيضا.
عندما تحدّثت مع الأستاذ “انطوان سعد”، صاحب دار سائر المشرق عن الكتاب ومحاولة نشره في العربيّة، قال لي إذا كان بإمكاني الطّلب من البطريرك أو من أيّ شخصيّة دينيّة مرموقة آخرى كتابة مقدّمة للكتاب، فهو يكون مستعدّاً لنشره. إتقفقنا على ترجمة “الشّيفرة الفينيقيّة”، لأنّها رواية شيّقة ويمكن تسويقها في حينها، وهذا ما حصل وتم نشر الرّواية في سنة ٢٠١٦.
كما أتمنى أن تترجم بقيّة كتبي أيضا.
في كتابي عن بيثاغور مثلا، المعروف تقليديّا أنّه فيلسوف يوناني، توصّلت إلى ما كان الأديب والمفكّر والشّاعر الكبير “سعيد عقل” يقول بأنّه فينيقيّ الأصل. قمت بأبحاث عدّة، ورجعت لمراجع أجنبيّة ومصادر قديمة، فوجدت بأنّ بيثاغور هو نصف فينيقي! ففي بعض المراجع، يذكرون أن أباه من صور وأمّه من اليونان، وفي مراجع آخرى، يذكرون أن أمه من صيدا وأباه يوناني. هنا وقعت في معضلة، فقارنت المراجع والمصادر، إلى أن تأكّدت بأنّ الأب هو فعلاً من صور، أيّ فينيقي، فماذا عن أمِّه؟! بعد بحثٍ مطوّل وجدت تاريخ خاله، واسمه فيريسايدس عاش في جزيرة سيروس في بحر ايجه، وهي مستعمرة فينيقيّة قديمة، وكتب عنه لاحقا أنّه فيريسايدس السّوري! ففي تلك الفترة من زمن الكتابة عنه، كان يطلق على هذه المنطقة إسم فينيقيا أو سوريا أحيانا. خاله كان فينيقيّاً، فهذا يعني أنّ أمّه فينيقيّة. عندها أدركت لما اعتبرتها بعض المراجع من صيدا … وقد نال هذا الكتاب الإعجاب وحصل على جائزة سعيد عقل وشهادات تقدير في الولايات المتّحدة الأميركيّة.فكما ترين، أنا أحبّ تكسير القواعد، فنجد نافذة للخروج من الأكاديمي بطرح أفكار جديدة وثورية.
إنّ عناوين كتبك تجذب بحدّ ذاتها القارئ، فنشعر بكسر القواعد الّتي تحدّثت عنها من خلالها. نرغب بمعرفة القليل وبعض The Kabbalistic Visions – And the Secrets of the Phoenician Tradition الأفكار والأبحاث الّتي قمت بها في كتاب
-نحن نعرف أنّ هناك الكثير من الحركات أو المنظّمات السّرّيّة، لديها بعض التّقاليد السّرّيّة مثل الماسونيّين… لماذا هم يعتبرون حيرام أبي المهندس المعماري أساسيّا في الحركة؟ ولماذا لديهم شخصيّة حيرام ملك صور أساسيّا هو أيضا، والثّالث، الملك سليمان؟ هذا يعني أن لديهم شخصيّتان فينيقيّتان وشخصيّة يهوديّة!
يشكّ العلماء اليوم ومنهم مؤرخين وعلماء آثار يهود حول وجود الشّخصيّة اليهوديّة، أي الملك سليمان، في التّاريخ، بينما شخصيّة حيرام ملك صور، فهي شخصيّة مثبت وجودها تاريخيّا. أما شخصيّة حيرام أبي، فمشكوك بأمرها، فالبعض يذكر بأنّها أسطوريّة والبعض الآخر يؤكّد أنّها حقيقة تاريخيّة.
وإذا تعمّقنا أكثر في تفسيراتهم، وحتّى في تفسيرات الحركة التّيوزيفيّة الّتي كان تبعها جبران خليل جبران في نيويورك، نجد أنّ لديهم الكثير من الأسرار الّتي لم تكن مكشوفة، وأصبحت الآن مكشوفة، لأنّه لم يعد هناك من أسرار! منهم ومن غيرهم، حلّلنا وأخذنا بعض الأمور المهمّة. فإذا فكّرنا قليلا بالحركة الماسونيّة، فهي تعني البنّاؤون الأحرار، وفكرة البناء، نحن نعرف جيدا أن الفينيقيّين هم أوّل البنّائين في العالم القديم، إلى جانب المصريّين، ومن بعدهم حضارة بلاد ما بين النّهرين. هنا ندرك تماما، لماذا اعتمد الماسونيّون في تقليدهم على حيرام أبي (المهندس المعماري) وحيرام (ملك صور الذي كان صاحب مشاريع بناء كبيرة في فينيقيا، منها وأهمها ربما هيكل بعل-ملكارت في صور). لماذا هناك سرّ في البناء؟ هنا يكشفون الأسرار مع ارتقاء درجات الأعضاء!
صحيح أنّ هناك صراعع بين الماسونيّين، فمنهم مثلا يقبل الرّجال فقط، غيرهم يقبل بدخول النّساء، لكن ما يميّزهم هو ما لديهم من أسرار أو معرفة عن الحضارات القديمة خاصة الفينيقيّة. وهناك الكثير من الّذين كتبوا عن أسرار الحضارة الفينيقيّة، فنجد البعض منها عند سانخونياتون، وهيروديتوس، وسترابو وغيرهم من القدماء.
وعندما نقوم بكهذا نوع من البحث، ونربط كلّ المعلومات ببعضها، نجد أن أرض فينيقيا (لبنان) لعبت دورا أساسيّا في الحضارة البشريّة حول العالم، فهي لم تعطِ فقط الحروف الأبجديّة المحكيّة التي أخذتها اليونان ونشرت في العالم، لا بل يقول البعض الكنعانيّة القديمة هي الّتي أثّرت على الهيروغليفيّة والسّومريّة والمسماريّة. كما نجدهم أيضا أوّل من بنى السّفن، وأوّل من تحدّث بالجغرافيا ووضع خرائط للعالم، وأنّهم اكتشفوا الأرجوان وآمنوا بالإله الواحد، فكان عندهم آلهة منطوية تحت الإله الواحد ويعتبرونهم أبناءه أو الشّبيهين به، إلخ.
عندما نفكّر بكلّ هذه الأشياء، أين كانت تختبئ نلاحظ أنّها كانت موزّعة في عدّة أماكن، في التّاريخ المكتوب، أو مصادر مختلفة أخرى مخفية عن قصد أو غير قصد، أو عند بعض الحركات السّرّيّة الّتي استطعنا الحصول عليها.
من الأمور المهمّة التي تجلّت أسرارها عندنا، هي الكبالا. فهناك نوعان من الكبالا، اليهوديّة (المعروفة تقليديّا على إنّها تجربة روحيّة يهوديّة) والفينيقيّة المخفيّة، والّتي نبرزها في كتابنا هذا. فهي بالأساس فكر روحي زهدي صوفي فينيقي بدأ مع أخنوخ (اينوك) الّذي كان نبيّا على جبل حرمون (جبل الشّيخ) وهو طبعا ليس يهوديّا بل فينيقيّا، حتّى أن السّيدة بلافاتسكي، مؤسّسة الحركة التّيوزوفيّة الّتي ذكرتها سابقا، تسمّيه “فينوك أي الفينيق”، هو الفينيق الّذي يموت ويعود إلى الحياة بعد ثلاثة أيّام وهو بالتّالي مرتبط بفكرة الموت والقيامة … حتى الرّمزية منها!
لا يوجد شك أنّ الأحرف الأبجديّة ال ٢٢ ترتكز عليها الكابالا اليهوديّة، لكن طبعا، كما قلنا سابقا، الفينيقيّة أقدم وأكثر قدسيّة، فكلّ حرف منها من الألف حتّى التّاو يشكّل حكاية، رحلة مساريّة، ورؤيا. غير أنّني قد وضعت مفهوما تاريخيّا وأعرف عن تفسيراته التّاريخيّة: جبل الشّيخ، العامودين الأساسيين قبل الطّوفان، والملائكة الأربعة الأساسية الّتي ظهرت على قممه، بحسب كتاب أخنوخ، وأعطته المعرفة … فمن هنا أتى اسم الكبالا الفعلي، أي أنّه، أي أخنوخ (الفينيق) “قبل المعرفة”، ونلاحظ أنّه بالأحرف ال ٢٢ رسم خطّة الإنسان من البداية، من الإله، فالولادة حتّى النّهاية والقيامة.
أستاذ كريم، ها نحن نستفيد من معلوماتك وأبحاثك الّتي لا نملّ سماعها مهما طال الوقت، لكن بالعودة إلى دار سائر المشرق وترجمة كتاب الشّيفرة الفينيقيّة، وترجمته أيضا إلى الفرنسيّة، وكلّنا نعرف أنّ التّرجمة تُفقد أحيانا بعض الأفكار الّتي أراد الكاتب إيصالها. هل أشرفت بنفسك على التّرجمة؟
-ترجمت الكتاب للّغة العربيّة صديقة لي، وأنا كنت أتابع النّص وأقارن بينه وبين النص الإنكليزي الأصلي، لكي نصل إلى تطابق بالأحداث، ومن بعدها أوكلت للأستاذ الدكتور فوزي يمّين تصحيحه لغويّا، فأخرجه بطريقة جميلة جدّا.
أمّا في اللّغة الفرنسيّة فكان هناك مشكلة بالترجمة وإخراجها في البداية، لأنّ اللغة الفرنسيّة في لبنان تختلف نوعا ما عن اللّغة الفرنسيّة الأصليّة المتّبعة في فرنسا. فقد ترجمت الكتاب صديقة لي بمساعدة أختي وهما معلّمتا لغة فرنسيّة، ومن ثمّ تمّ تعيّين مترجماا لبنانيّا فرنسيّا من قبل دار النّشر الفرنسيّة، عمل على تنقيحه من جديد بالتّعاون معي حتّى أخرجه بشكل جميل ليطابق المعايير المطلوبة لغويّا في فرنسا، فاستغرق وقتا أكثر مما كنّا نظن، قرّروا ترجمة أيّ كتاب آخر مباشرة في فرنسا اختصارا للوقت.
الأفكار الموجودة لديك، والمواضيع الّتي تطرحها في كتبك، أعتقد أن دور النّشر تتمنى العمل عليها. ناقضت دان براون الكاتب العالمي في المعلومات الموجودة في شيفرة دافانشي بإثباتات علميّة وحقائق، ما رأيك؟
-صحيح، سُئلت إذا كانت كتبي موجودة بالاسبانيّة والبرتغاليّة والألمانيّة، وعدّة لغات أخرى. أنا لا أعرف كيف أسوّق لنشر كتبي في عدّة لغات، لذا هناك فكرة للاتّفاق مع وكيل أدبي، لهدفين: أولهما تحقيق هذه الغاية، وثانيا، محاولة إيجاد دور نشر أكبر من الّتي أتعامل معها اليوم، لنشر كتبي القادمة،وهذا ما يفعله الكُتّاب الّذين اشتهروا كثيرا في الدّول الغربيّة أصلا. فأنا أحبّ أن تنشر كتبي بلّغات عدة متل العربيّة والفرنسية والإسبانيّة والألمانيّة، إلخ.
أمّا بالنّسبة لدان براون، فكتابه “شيفرة دافنشي” ليس فيه حقائق إطلاقا، ولكنه انتشر بقوّة لأنّه، بالإضافة إلى كونه كاتب جيّد، لديه دار نشر كبير جدّا وهذا ما ساعده أيضا إلى تحويل كتابه إلى فيلمٍ سينمائيٍّ.بالنّسبة لي، أتمنّى أن يتمّ العمل قريبا على المسلسل التّلفزيوني المأخوذ عن “الشّيفرة الفينيقيّة”، وهكذا أعتقد أنّ الرواية ستأخذ حقّها.
بما أنّنا نتحدّث عن المسلسل، كيف تمّ التّواصل مع شركة الإنتاج الّتي وقّعت العقد معها؟
-كان لديّ مقابلة مع “كارن بستاني” في برنامج “كتاب” على محطّة “أم تي في”، فقالت خلال اللّقاء أنّ الكتاب يستحقّ أن يصبح فيلما سينيمائيّا ضخما. شاهدت السّيّدة “تيريز شبير” الحلقة، وهي لبنانيّة تعيش في لوس أنجلوس، وزوجة صاحب شركة الإنتاج Northern Star Pictures، السّيّد “بيار لابوانت” وهو كندي /أميركي. بعدها، أصبحنا أصدقاء، على الفيسبوك، وقرأت الكتاب … فأعجبها كثيرا وطرحته على زوجها، فأعجب به هو أيضا.
حدث هذا في العام ٢٠١٦، وبدأت الإتصالات تسلك طريقها، وانقطعت لأسباب خاصّة بهم، إلى أن عادالتّواصل بيننا سنة ٢٠١٧، وتمّ توقيع العقد في نهاية ٢٠١٨، لإنتاج الرّواية كفيلم. ثمّ رؤوا أنّ مضمونالرّواية وأحداثها لن تأخذ حقّها إذا كتبت كفيلم، فقرّروا إنتاجها كمسلسل من ٣ إلى ٤ حلقات، ثمّ عدّلوا رأيهم لإنتاجه كمسلسل تلفزيونيّ كبير من ٣ إلى ٥ مواسم، وكلّ موسم ٨ حلقات.
بدؤوا العمل وتحضير المواد الأساسيّة من دليل المسلسل، إلى ملف العرض التّقديمي، والسّيناريو، إلخ، كما تمّ الاتفاق مع الممثّل اللّبناني الأميركيّ، “نيك طربيه” ليلعب دور البطولة لشخصيّة “بول خوري”، كما أنّه بدأ العمل كمنتج منفّذ للمشروع. ولكن في نهاية ٢٠١٩، بدأت جائحة كورونا تضرب العالم، توقّف العمل بشكل مثمر إلى أن انتهى العقد بعد تمديده لمدّة ٦ أشهر إضافيّة.
بعدها، أرادت الشّركة تمديد أو تجديد العقد، كما أنّها عرضت توقيع عقد جديد يسمى “إتّفاقيّة تسويق غير حصريّة”، وفي هذا الوقت تعرّفت إلى مستثمرين جدد وما زلنا نتباحث لتوقّيع مذكّرة تفاهم غير حصريّة معهم. مؤخرا، ومنذ بضعة أيام، شباط ٢٠٢٢، تمّ التّواصل من جديد مع السيد “بيار لابوانت”وتمّ التّوقيع على الاتّفاقية غير الحصريّة الّتي ذكرتها، على أمل أن يتم تهيّئة المشروع لبيعه أو إنتاجه مشاركة مع نتفليكس، أو أمازون، أو HBO، أو غيرهم …
هل كُتب سيناريو الرّواية؟
-ما كتب فقط هو سيناريو الحلقة الأولى من الموسم الأوّل الّذي قسّم إلى ثمان حلقات لم تكتب بعد ، بل كتب ما هو مختصر عن كل حلقة فيه، وهذا ما يسمى دليل المسلسل، كما تمّ تحضير ملف العرض التّقديمي كما قلنا سابقا. هكذا يعملون في أميركا وأوروبا تحديدا، وأعتقد في لبنان أيضا، ربما مع تفاوت بالطّريقة.
وعندما يباع المشروع، يكلّف عدّة كتّاب بكتابة سّيناريوات حلقات الموسم الأوّل تحت إدارة وإشراف شخص مختصّ يسمّى مسيّر العرض، وهو يضع لوحة ويحدّد كيفيّة بداية ونهاية كل حلقة، والكتّاب كلهم يكتبون مجرى الحوار والأحداث، إلخ.
فيسيرون في معادلة منظّمة من الألف إلى الياء، لذا لا نشعر بالملل في المسلسلات والأفلام الأجنبيّة وخاصّة الأميركيّة منها.
هل يشبه كتاب “الأرض الأم” الذي تعمل عليه الآن كتبك الأخرى؟
-لا، هذا الكتاب مختلف تماما، فيه أكتب نوعا لم أكتبه من قبل. الكتاب مقسّم في فكري إلى ثلاثة أجزاء، وما زلت أعمل على الجزء الأوّل منه، فهو بين الأسطورة والخيال العلمي. أعتبر هذا الكتاب أكثر تحدّيا مع نفسي، فلم أشعر بهكذا تحدّ في كتبي السّابقة، لأنّني في هذا الكتاب أخلق عوالم جديدة.
هناك ثلاث قصص في الجزء الأوّل: القصّة الأولى تحدث على الأرض منذ حوالي ١٠٥٠٠ سنة قبل الميلاد، وتدور أحداثها بين حضارة مصر القديمة، حضارة فينيقيا القديمة وحضارة الأتلنتس، وكلنا نعرف أن قصّة أتلنتس غير مثبتة إذا كانت حقيقيّة أم لا، ولكن هناك تقليد أنّها دمّرت لسبب ما له صلة بالغرور والسّيطرة، وأعتقد أن المزيج اليوم ما بين فينيقيا ومصر وأتلنتس سيخلق نوعا من الغموض وسيكون رائعا لكثير من القراء … القصّة الثانية تحدث في الوقت الحاضر على كوكب آخر في كوكبة ثوروس، وتدور أحداثها حول جدّ وحفيده وصديقة حفيده يبلغ عمرهما ١٢ سنة تقريبا … اما القصّة الثالثة حول أهل الحفيد الذين خرجوا ضمن إسطول من ٧ سفن لاكتشاف كواكب أخرى … وكل هذه القصص مترابطة الأحداث!
إسمحي لي، فلا أريد أن أكشف أكثر من ذلك، ولكن أريد أن أقول أنها تحتوي على رسالة إنسانيّة وجوديّة بيئيّة وكونيّة، ترتكز على نشر فكر واعٍ بعيدا عن الحروب والأزمات والأحقاد وحبّ السّيطرة والكراهيّة والعنف، إلخ … كل هذا من دون الدّخول إلى الخيال العلمي المجنون (فمثلا الآلهة والملائكة في هذه الرّواية هي كائنات نورانيّة فضائيّة متطوّرة، ومنها من يريد نشرالشّر في الكون وخاصة على الأرض) ما يجعلني أحاول تقريب الخيال والأسطورة قدر الإمكان إلى المنطق العلمي. وسأترك لكم باقي التّفاصيل تقرؤونها في الكتاب …
من النّادر أن نقرأ هكذا نوع من الكتب لكاتب لبناني، بالنّسبة لي لم أقرأ لكاتب عربي يدخل بعمق في الخيال، وبطريقة غير إعتياديّة، إلى ماذا يرجع ذلك برأيك؟
-لا يكتب العرب إجمالا روايات من هذا النوع ولا يدخلون في متاهاتها، مع أنّنا في لبنان نطرح الأمور بتحرّر فكري وإبداعي أكبر من غير بلدان، لكن نعم لا نجد كتّابا يكتبون الخيال العلمي، فهم يفضّلون العمل على الرّواية الدراميّة التّقليديّة، قصص الحرب والحب والطّبخ والأبراج، إلخ.
قال لي الأب يوسف يمّين مرّة: “الفكر مات في لبنان”، ربما لأنّ الفكر أصبح موجّها. كما أنّ الوضع الاقتصادي يؤثّر على عدم تفرّغ الكاتب للكتابة، ففي كندا مثلا يتقاضى الكاتب أجرا شهريّا من الدّولة. هذا شيء رائع فعلا. بالنسبة لي، أنا متفرّغ للكتابة، وأعيش ضمن عائلة أمّنت لي كلّ ما أحتاجه، فأنا أدّخر قليلا وأتقاضى مبالغ بسيطة من كتبي، ولكنّني أؤمن ب “أعطنا خبزنا كفاف يومنا”. طبعا، أنا أنتظر بفارغ الصّبر أن ينتج المسلسل لكي تتحسن أحوالي أكثر، كما لدي عدّة مشاريع أخرى في الكتابة والمسلسلات، وكلّها خارجة عن المألوف.
لقد أمتعتنا بأفكارك وأدهشتنا. في النّهاية، هل تحب أن توجّه كلمة للقارئ العربي؟
-أغلبية قرّائي حقيقةً هم غير عرب، وهذا لأنّ العربي بالإجمال لا يقرأ النّوع الّذي أكتبه، وربّما لا تعنيه المواضيع الّتي أطرحها، بينما الأجنبي يفضّل هذا النّوع، وطبعا اللّبناني، الذي تعنيه كثيرا مواضيع كتبي. وأشكر هنا الأستاذ انطوان سعد لترجمته “الشّيفرة الفينيقيّة” لفتح المجال أكثر للقارئ العربيّ، كما سأحاول قدر الإمكان ترجمة باقي الكتب ليتسنّى لهم قراءتها، كما قلنا آنفا …
يصعب على من يتحدّث معك أستاذ كريم الكوسا أن ينهي التّساؤلات الّتي تجول في فكره، لكن الوقت داهمنا.
نادي الكتاب اللّبناني بشخص رئيسته الدّكتورة سلام سليم سعد، لجنته الاستشاريّة، وكافّة الأعضاء، نشكرك جزيل الشّكر على هذا اللّقاء المتميّز والخارج عن المألوف.
كلّ التّمنيّات لك بالنّجاح والوصول لكلّ ما تتمنّاه.
شكرا، وأقدّم تحيّاتي لكِ ولنادي الكتاب اللّبناني لاستضافتي.
كريم الكوسا أديب لبناني، ولد عام ١٩٧١ في شمالي لبنان وتحديدا في إهدن يكتب باللّغة الإنكليزيّة، صدر له*
– Reflecting Unitas, 1996.
– Blooming Planes, 1998.
– Pythagoras the Mathemagician, 2001, 2005, 2010.
– Mystery of the Alphabet, 2003.
– The Phoenician Code – Unveiling the Secrets of the Holy Grail, 2011, 2018. (Translated to Arabic 2016 and French 2018)
– Jesus the Phoenician, 2013.
– The Kabbalistic Visions – And the Secrets of the Phoenician Tradition, 2021
– The Motherland (Coming in 2022)
تدقيق لغوي: عميد نادي الكتاب اللبناني الأستاذ جورج شوفاني
