بقلم نسرين عبدالله

قراءتي في قصيدة (شيزوفرينيا) للشاعر الإعلامي (محمد البندر)، من ديوانه (فتى الينابيع

يقول الخوارزمي: ” إنما الشعراءُ ماء ساربٌ، وسيلٌ راعبٌ، إذا سدّ عليه طريقه، خرق في الأرض خرقا، وجعل لنفسه طريقاً…”
هو من يصح فيه القول الشّعراء يولّدون ولا يصنعون، فمهما شذّب التّدرب أغصانهم، ثمارهم نبات الفطرة..
في قصيدة تخطّت حدود الزمان والمكان، ارتبط شاعرنا (محمد البندر) ارتباطا عضويا بتأدية الجديد من التجارب، كذاك الخيميائي الذي يحوّل الكلمة إلى رنين من ذهب.
مذهل هذا الشاعر ثقيف، سقيف، أنيق حتى الرّهافة.

بقدر الحب تكون التضحيات وبقدر الهوى تتهاوى العروش وتتخثر الدّماء، حتى تكون تلك المفازة وجه ليلى، وأطلال عبلة وجديلة إبنة المستكفي ..
لكنك في تو عشق الوطن الأم.. تترنح كأغصان الصّفصاف مع نفح الشذى في خمائلها ..
في لغة العشق المشبع المكهرب السخيّ، يتوه العقل وتتذبذب خلاياه حد الضياع في تركيبة إحلال نرجسي يكون فيه العشيق الدماغ الذي يتحكم بكل الاصباغ الجينية الموروثة.

على أن العاطفة المؤججة تنال من القلب ما تعجز عنه المدية والسيف، تصيبه بالحمّى وتجعله رهينا للمعشوق تحتل كيانه وتتوج مملكة الوله في عميق شرايينه حتى يصاب بالشّلل …
عندما ترى عالمك في مكان جاء مصادفة أمام عينيك وأشعل فيهما بريق العشق القاتل تسقط عنه العيوب وتبرز فيه جماليات صوره وذكرياته، وتنفعل له مجاري الدم فيكون في نظر العاشق الحياة حتى في قبضته القوية التي لا ترحم..
إنني أرى في برمجية هذا العشق للوطن الأم روابط ومحفزات لا يمكن ان تكون لغير ذلك، رغم ما كانت فيه من نعماء.
هذه النماذج من الحب الذي يتمنى فيها العاشق أن تقف الحياة عند لحظة سعادة بصرف النظر عن المشقّات …
وكأن ما يملكه المحب يعطيه لمن لا يملك سواء كان ذلك بالتعطيل أو بالتمثيل أو بفرضية أن الجو المشبع برذاذ الحب يشمل كلّ ما يحتلّ …
ليس لحب الوطن تركيبة خاصة ولا ميزة يتفق عليها المحبّون من جيل الى جيل ومن عمر إلى آخر برغم ما تتصفه المحبّة، من قيود اجتماعية وسلوكية وانخراط في ضوابط المجتمعات المقيدة ، ومع ذلك فإن عدوى الحب والإنتماء تفوق كل المعطيات وتتجاوز حدود الانضباط المجتمعي المحكوم للمثل والأعراف ..
مع حب الوطن يتعطل المنطق وتختل القوانين ومعه أيضا تكون الموازين ظالمة إن لم تميل لحفنة حب بصرف النظر عما يقابلها من أوزان ..
فرفة واحدة للقلب تعادل ما يضخ ذلك القلب من دماء في مفاصل الحياة كاملة وأنماطها الروتينة المملة.

(شيزوفرينيا)..

منذ العنونة، ملغز هذا النّص..
استعملت تسمية تحمل المتلقي على المتابعة مرغما .. وهذا نجاح وبعدُ نظر ..
شيزوفرينيا .. بمعنى فصام ..
تدخلنا العنونة في تساؤل :
عن اي فصام يتحدث النص ؟!
أهو فصام ذهني؟ أم فصام وجداني؟ أن فصام بارانويدي إرتيابي !
ولكي نميز هذه التعابير علينا أولا تعريف الفصام ..
الفصام هو اضطراب عقلي مزمن وشديد يؤثر في طريقة تفكير الشخص وشعوره وسلوكه ..
ولعدم الخلط بين مفهوم الفصام والإنفصام، الفصام هو اضطراب ذهنيّ، أما الإنفصام فهو اضطراب نفسي ..
إذا ما الهدف من إختيار الشاعر لهذه التّسمية ؟
الاضطراب النفسي يتّسم عادة بسلوك إجتماعي غير طبيعي
وفشل في تصوير الواقع
تشمل أعراضه الوهام واضطراب الفكر والهلوسة السمعية والتعبير العاطفي وانعدام الإرادة واضطراب القلق والإكتئاب ..

ولو رددنا هذا التعبير المتكثر إلى تعبير واحد أو إلى صورة كلية للنص وإنتزاع ما بين اسباره لنجمع كل المعاني، لتكونت لدينا صورة كليّة فيها اللهفة والتّحسر والحزن والشوق والرغبة ..
فشاعرنا يذهب باللهفة إلى حدّها القصي، جامعا فيها لهفته وتحسره على ما فات،والشوق إلى إستعادة المفقود.
فهناك تماهي بين الذات والذكريات لم يعد ممكنا إحتواءه عبر اللفظ وهو المحترق ألما وحنينا.
وهنا تبلغ الصورة الألق، بألق الإنزياح الدلالي، ذلك أنّ الاحتراق هو إحتراق الذات بسبب التغرب عن الأهل والديار.
يقول أبو تمام:
(نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى
مالحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبدا لأول منزل.)

وفي إيماءة لهذه الغربة ( غربة الديار ) في النّص يقول أديبنا :
لا الأرض تحتمل الخطى صوب الرحيل
والخطو يستبق الأزقة والمدى
والصوت يخنقه
إحتباس الريح في قصب تثائب
عند حنجرة الصدى.

يضيف شاعرنا في قصيدته ويقول:

والأرض أم التائبين العارفين الغارقين
بأمنيات الورد
والنجوى تفيض على شفاه الريح
تختصر الرحيل بقبلتين
وصفعة حمراء
تطبع خد أغنية الوصول..

هذا الإبحار في سراديب الذات هي مصباح في زجاجة الأرق .. والألم .. والقلق ..
هي إيغال في واقعنا الحاضر
لا يملأه إلا فضاء بحجم درب التبانة ..
كما أنه بحث عن دفء الرغبة في ظل سكون .. وصمت رهيبين يقللن صخب الاحلام الوادعة الواعدة الهنيئة ..
يطلّ علينا هذا النص من نفس متشظية هادرة من عتبة نصية متغايرة مع المألوف تؤجج الاحساس فينا بوجع صاخب يهجع خلف شغاف القلب بسمات فكرية وخصائص جمالية حاضرة بكثافة في تشكيل نصي يستعيد الذاكرة لافق خلاص من حرائق راهنة ارتحل عبر زمن ماض يبدو أرحم من الحاضر وأرحب وهي ذاكرة الإنسان الإنسانية.

لا زيت في قِنديل هذا العمر كي أدعو
فراش الاحتراق إلى شفير الضوء
حين يخيط جبته الظلام

يقول البحتري:
” والشعر لمحٌ تكفي إشارته
وليس بالهدر طوّلت خطبه”

في غنى ثقافيّ، وبرناسية مطلقة أنيقة، وبملكة لغوية، وتوفّر الخيال المبدع، تتجسد براعة التصوير وإجادة التعبير والتخيّر في اللفظ وقوّة السبك، لنتعرف على أرضه العابقة بعطر الخلود، لم يطلّ شاعرنا بمقدمة بل بسلسلة لاءات رافضة، برمزية قصر العمر الذي مهما طال في البعد عن الوطن فهو قصير لا يعتبر من الحياة، إنه الزمن الذي شكل نسيج حياته الداخلية والذي ينساب فيه كما تنساب المياه في مجرى النهر.
وهكذا كان واقع إيقاعه الشخصي، في تساجم بين حنين الأرض وحنين النفس، حيث الصوت صوت الفراغ والسكون المدوي، كفراشات النور التي تظنه ضياء لكنه ضرغام، إذن هي الحريٌة.
الحرية التي بكل يد مضرجة تدقّ.

ثم هي غربة نفس وغربة وطن، حيث أن القصيدة من نصفها حتى الاسقاط موحدة الهدف. يقول:

من تحتِ أغنيةِ الرمادِ يقومُ عملاقانِ
يختصرانِ أوجاعَ المسافةِ بين أضلاعِ
الركامْ

هي ريح الحنين، التي جعلت من زوجة نبوخذ نصر الكلداني تقول:
“لمنزل تخفق الرياح فيه
أعز الي من قصر منيف”

يرتقي النص إلى مصاف مراتب المجاز المكثف المشع بمرايا الصور المتلاحقة، مما جعلنا نعيش عوالم الخيال، مقدما لنا معجما بلاغيا متنوعا يقوم على حذاقة المجاز والاسناد، رموز أظهرت الشاعر وقد توحد مع عناصر الطبيعة في حالة الشيزوفرينيا التي تدفعه الى التلوين اللفظي والأسلوبي وإلى التنقل بين الرومنطيقية والرمزية، لنتعرف على أرضه العابقة بعطر الخلود والتجدد والقيامة فهو طائر الفينيق الذي يتلبس الطفل العفريت حيث أضاف:

وعلى تخومِ مدينةِ الأشباحِ يهرمُ طفلُ عفريتِ
السلامْ
وها هو يقبل على المادّة الفطرية للطبيعة، فلا يزال يمارسها ويداورها ويعالجها، في عراك خالد حتى يعتصر الروح فيرقى إلى أصفى درجات التعبير الوطني.

لا قمحَ في كفيَّ كي أدعو لمائدتي
الحمامْ

قد ضاقت الأرض براحليها
وتتكرر اللاءات التي تحقق ترابط بنية القصيدة الكلية بإيجاز كثيف مجسد في رموز من فرادة لبنان الكونية
(لا الأرضُ تحتملُ البقاءَ على دروبِ
الهاربينَ إلى نهاياتِ
الدروبْ)
يعني أصالته وتاريخه المتجذر في رمز يسمى الوطن
والنهرُ يخلعُ ضفتيه ويتركُ الصفصافَ
يقشرُ عن وجوهِ العابرينَ الى مراياه
الندوبْ
الشاعر هنا مخاطبًا ومنفعلًا، تلوّنت انفعالاته بألوان وقفته الثائرة وقفة اللوم والرفض، ليكوّن من قصيدته خطابا أجاد فيه أديبه عنصر الجذب، حيث أن جميع الصور مرمّزة ومحملة بالخيال حيث تجسد جديد الشاعر بانزياح اسلوبي وابتكار الصور السريالية.

وهنا عند هذا المنعطف حينما قال شاعرنا:
والحورُ يرقصُ مثلَ جنيٍّ تعثّرَ
بالحصى لما تأخرَ
عن مواقيتِ
الغروبْ…..

ودعا إليه صبية الدفلى
لتفرك ظهر جرته بنعناع السواقي
والمآقي والطيوب ..

تجلّى شعور كاتب النص أديبنا الفاضل شعور القارئ المثقف والكاتب ..
ولعلّ هذه الحالة لا يصل إليها المثقّف، إلا بعد مروره بتجاربَ مريرةٍ تهزّ كيانه وتجعله يحسّ بالخذلان، مما جعل كاتبنا الفاضل يستجلي أناه، ويبحث عن بدائل تكون أكثر التصاقا بروحه، وأشد انسجاما مع ما يفكر ويشعر به، متجاوزا الترهات إلى العمل الخلاق في الكتابة الهادفة، متعايشا خلال نصه قدر المستطاع مع ما يحدث بوصفه واقعا لا مهرب منه ..
فاستعان بشجرة ( الدّفلى )
وشجرة الدفلى هذه لمن لا يعرفها هي شجرة لا تنبت إلا في بطون الأودية ..
جميلة جدا تسر الناظرين
وتمتاز بجذور قوية جدا جدا لها
طويلة جدا جدا متعمقة في باطن الأرض متشبثة بارضها صعب خلعها.
وهذه دلالة رمزية على النفس المتشبثة بشدة في مكان نشأة الكاتب وبدايات حياته فيها قبل المغادرة منها ..

لا الأرض أقدس من رفات الراحلين
ولا الجهات توجهت صوب المدائن والقرى
حتى تؤم صلاتها الوسطى
على إيقاع أجراس الكنائس في الجنوب

وأثناء ذلك يكشف كاتبنا الجليل من خلال صراعه مع نفسه عن تلك الأزمة الفكرية التي تشمل احداث الحياة بكل جوانبها ويولي أهمية لبواطن الشخصية من خلال حديث النفس والمونولوج الداخلي ..
فقد يلحظ القارئ تمرد الشخصية على المسار الذي رسم لها النص ..
لقد لاذ أديبنا خلال نصه بداخله برهة، وتوقف عن الركض في دائرة مغلقة لا يغادرها مساره ولا يملّ في الفكاك منها ..

يقول ابن الوردي:
“إقاماتُ الغريبِ بأيّ أرضٍ
كبنيانِ القصورِ على الرّياح
تهبّ الرّياح فتنهدمَ البنايا
لقدْ عزمَ الغريبُ على الرّواح”

كان المساءُ يطاردُ السمّار يدعوهم إلى
إحراقِ عودِ البطمِ أو عجريمِ مهجتهم
ليخرجَ قارئُ الأوراد من فانوسهِ الدهري
يتلو آية الذكرى

يتوسلُ الجبلَ المطلَّ على قرى القندولِ
نهرا

والنهرُ يركضُ باتجاهِ البحرِ يتركُ روحهُ الظمآى
تخيّمُ في فضاءِ النبعِ يسبقُ قلبهُ
المجرى

والبحرُ تثقبهُ الزوارقُ والمرايا
كي يعودَ محملاً بالصيفِ
متروكاً على الطرقاتِ يرفعُ موجهُ
جسرا

يبدو وكأن الخطاب الشعري تمثل بأبهى صوره كمزاوجة بين الإيحاء والتضمين والتصوير والترميز، ما جعل نصه تحفةً من صوغ، لا يبلغه الا كل شفيف رهيف، في أسلوب تجديدي واضح المعالم على مستوى الحقول الدلالية بين أسماء الورود وعناصر الارض، والمركبات الإسمية الإضافية، والتركيبات الوصفية، ليلبي بنية القصيدة، بنية الماردان (الحب والحنين/ غربة الروح والجسد)
وكأنه يلبّي قول المتنبي:
(وكأنها والسمع معقود بها
وجه الحبيب بدا لعين محبّه)
مجسدا كل الصلابة والسمو والتعالي الشفيف والشموخ والنزعة الوطنية والأصالة، بكل ما تختزله ذات الشاعر وتعكسه على بلاد الشاعر وعلى القصيدة.

هذا الجو العابق بالرمز والوطنية، نقله الشاعر بأسلوب متجدد يلتقي في ايقاعاته مع ايقاعات قلبه، المتوقد شوقا وتعلقا بأرضه.
نبدأ من الهيئة الطباعية لهذه القصيدة، حيث تلفتنا بخروجها على تشكيل القصيدة العمودية، من نظام البحور الشعرية والأبيات المقفاة، إلى تنظيم يعتمد نظام التفعيلة، (تفعيلة الكامل) بدلا من البحور، والسطور الشعرية بدلا من الأبيات، وتنويع القوافي والأرواء.
يقول الناقد (لبرمن) : (إن الموسيقى الداخلية ذات جانبين هامّين، اختيار الكلمات وترتيبها، والمواءمة بين الكلمات والمعاني التي تدل عليها)
تناغمت حروف القصيدة ضمن جرس نفسي خاص يكاد يعلو على الوزن العروضي ويفوقه، قد تدفقت الكلمات بتلقائية محببة معتمدا حس التقسيم الموسيقي من حيث التقنية الداخلية، وتكوين النسق الايقاعي المولد من تقسيم التفعيلات تقسيما مرتكزا على نظرية الفصل والوصل بين التفعيلات، هذا عدا عن استخدام البحر بصوره المختلفة، متلاعبا بعدد السطور الشعرية في المقطوعة بحسب أجوائه وانفعالاته، والتقفية المتنوعة بين مقيدة ومطلقة تكريرا معجلا أو مؤجلا واستخدام علة التذييل(متفاعلان) والترفيل(متفاعلاتن).
وهذا إنما يدل على ثقافة عروضية وإحساسا رفيعا بالنغم، مستخدما طاقة البحر وكنوزه النغمية.

وهكذا بأجواء غنية بالثقافة والمَلكة اللغوية، وتوفر الخيال المبدع والتمكن من استعمال أساليب الجملة وفق أحكامها النحوية والصرفية والدلالية،
قدّم شاعرنا تمرد الشخصية على المسار الذي رسم لها النص ..
لقد لاذ أديبنا خلال نصه بداخله برهة، وتوقف عن الركض في دائرة مغلقة لا يغادرها مساره ولا يملّ في الفكاك منها ..
لقد تمكن من تأمّل نفسه بعيدا عن تأثير الصّخب المزروع في أحشاءه والذي هو بمثابة قنبلة موقوتة..
نصٌ مكتظٌ، يصور لنا أن أديبنا كائن بشري حساس يجوع إلى السكينة، بعنوان ( شيزوفرينيا).

تقبل منا شاعرنا أسمى باقات الودّ.. دام مدادكم السّامق.

اترك ردإلغاء الرد

اكتشاف المزيد من نادي الكتاب اللبناني

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

Exit mobile version