- سحر الحضور - مارس 18, 2024
- بين شقاءٍ وحب - يناير 30, 2024
- صفقة القرن العشرين - يناير 23, 2024
لوحة الشطرنج لجوال يوسف… بيادق ثائرة وملوك حائرة
حاولت فرشاة جوال يوسف، أن تتحاشى قدراً ساخراً، وحاضراً ملتبساً بين التاريخ والجغرافيا وهلوسات الهويّة. فأتت لوحتها همس بيادق، وبراءة أحلام ثوريّة، ونضالًا من أجل الوطن والإنسان.
رسم الإلهام حياتنا على رقعة شطرنج، بيادق تتقاتل وسط الميدان، تنفّذ إستراتيجيا مجهولة، وتطبّق فرضيات المدافعة بكل أمانة، حالمة بالارتقاء والتطوّر، فالبيادق هي أكثر حجارة الشطرنج عدداً، وأقلّها حركة. لكنّ الألوان المتجانسة الممزوجة بفضاء اللّوحة الرحب، جعلتها فريقًا واحداً، تشاركنا تجاربنا والحياة، ونبدأ معها رحلةً لمسافات طويلة، خلافاً لرحلة الست خطوات المحدّدة لها حسب قانون اللعبة، متخطيّة أوامر “ملوك الطوائف”. وبسبب العزم على اللقاء بين بيادق الوطن الّذين كانوا ضحية المؤامرات، إنخسفت الأرض على القماش، وظهرت خيالاتهم لتصل بين أقسام الوطن المتباعدة.
أربع قلاع، ملؤها الحكمة والقوّة. تحفظ الملوك داخلها بيوت المال، تتقاسم النفوذ على كامل الرقعة. بيد أنّ القلاع في اللوحة أصبحت متّحدة لهدف حماية كلّ الأرض، وأصبحت ترقب فضاءها كالأبراج، لأنّ المال مجهول الكميّة، الّذي كان أمانة داخلها، قد هُرِّب إلى رقعٍ معلومة الجغرافيا، بحماية تفوق قدرة حرّاسها على إعادته. ولم تعد مهمّة هذه القلاع تعديل الخطط الدفاعيّة عند نفاذ الحِيَل، فقد صوّرتها جويل سنداً لظهورنا في ممارساتنا الحياتيّة، ومكان احتفال لكلّ تجربة ثوريّة نخوضها، لحين عودة رهبتها إذا عادت المبارزة الديمقراطيّة العادلة الراقية.
مراوغة الأحصنة وخداع الفيلة المجنونة، تعنيان نقل محوَر المعركة من منطقة لأخرى على رقعة اللعب. لكنّ الفنّانة جعلتها تنتقل بين مجريات الحياة، وأصبح لكلٍ منها طريقه المستقل، فظهرت في أرض اللوحة، تتسكّع بحبور بين بيض المربّعات سوادها. فإذا كانت لعبة الشطرنج قد تميّزت بمراوغتها، فاللوحة قد منحتها مشتهى بعيدًا، لا يستجدي عطف اللّاعبين، فيتناثر الوقت المتهالك في اللعب، على تقاطع المربّعات، ويقفز الحصان المروّض لمتعة النصر، ويُسمع نهيم الفيل المجنون من مسافات لأجل التلاقي. الملكتان، أكثر القطع حرية، وقيمة، وأبّهة، على رقعة افترش عليها الذكاء سحرًا وروعة خطط. وزادتهما اللوحة تعلقًا باللّاعبين، ومنحتهما الرّيشة من موهبة حاملتها، أوقاتَا وأزمنة، فجعلت حياتهما بين حريّة التّنقل، وعادات وتقاليد، تعيد الإلفة وتنبذ المواجهة بينهما، في ظل الظروف العصيبة، رغم حربهما الأسطورية، غير آبهتين بأوامر ملكيهما، المنجرّين إلى نداء الدّم، الصادر عن لاعبين لدمار رقعة اللعب وقماش اللّوحة، من أجل إخضاع ملك من الإثنين والفوز بالصّراع.
أمّا الملكان، فثابتان في أرضهما، لا يتأثّران بمعارك وضحايا، وتختلج الرقعة لمحاصرة أحدهما. لكن هنا على لوحة من خيال رسّامة فتيّة، تحتار الملوك من ثورة الحريّة، فالبيادق الثائرة أطاحت الحاشيات، ولم تكترث لسكان القصور وقوانين المترّبعين على العروش.
جاءت رقعة الشطرنج في لوحة جويل يوسف مبهمة التربيع، حتّى أضلاع مربّعاتها الداخليّة متشابكة، ولا توحي بشكل هندسي معيّن، وذلك تلافيًا لتدوير الزوايا، من قبل أركان القصور، على حساب البيادق وتحت نظر الملوك.
