- العدد الثالث من مجلة نوافذ - يونيو 1, 2026
- على سبيل المواطنة الحقّة - مايو 22, 2026
- حوار مع الفنان يامن صعب - مايو 18, 2026
اجرت الحوار معه الصحافية والكاتبة سارة حاطوم
حين تتكلّم الملامح
في زمن تتسارع فيه الصورة وتكاد تبتلع المعنى، يقدّم هذا المشروع الفني تجربة معاكسة: وجهٌ لا يُرى فقط بل يُقرأ.هنا لا تقف الملامح عند حدودها البصرية، بل تنبثق لتنطق في مساحةٍ تتداخل فيها الحروف مع الملامح، ويغدو القول جزءًا من ملامح الوجه. يقدّم الفنان التشكيلي يامن صعب تجربةً فنية فريدة، حيث لا يُرسَم الإنسان بحدوده الخارجية فحسب، بل بما قاله وتركه من أثر. في أعماله، يتحوّل الخط العربي من أداة كتابة إلى كيانٍ نابض، يعيد تشكيل الوجوه من داخلها، فتغدو الكلمات ذاكرةً بصرية، واللّوحة سيرةً مختصرةً لروح صاحبها.
إنّه فنٌّ لا يكتفي بأن يُرى بل يدعونا لأن نقرأ، وأن نعيد القراءة.”في هذا الحوار، نقترب من تجربته.
تحاوره الصحافية والكاتبة ساره حاطوم
1.حين تختار أقوال شخصية ما لتشكيل ملامحها، كيف تحدد العبارة التي تختصر جوهرها دون أن تُختَزل تجربتها؟
اختياري للشخصيات ليس انتقاءً لأسماء لامعة، بل بحثٌ عن أثرٍ ترك بصمته في زمنه. شخصياتٌ تنوّعت مجالاتها، لكنها اِلتقت في نقطة واحدة: إنها لم تمرّ مرورًا عابرًا، بل غيّرت شيئًا، ولو في وجدان الناس.ولا يقتصر هذا الاختيار على بيئةٍ واحدة، بل يمتد إلى شخصيات عربية وعالمية، لا بدافع التصنيف، بل لفهم كيف يتجلّى الأثر في سياقات مختلفة، وكيف تتبدّل صورته من ثقافة إلى أخرى
أما اختيار العبارة، فهو المرحلة الأدقّ. لا أبحث عن جملةٍ مشهورة بقدر ما أبحث عمّا يشبه “مفتاح الشخصية”: عبارة تختزن رؤيتها، دون أن تدّعي احتواءها بالكامل. أصل إليها عبر قراءة معمّقة، ومحاولة العيش داخل عالمها، بما فيه من تناقضات
وأحيانًا، تقودني هذه الرحلة إلى إعادة النظر في شخصياتٍ ارتبطت بصور نمطية سلبية؛ إذ تكشف القراءة طبقاتٍ أخرى: أفكارًا لم تُفهم، أو جوانب لم يُنصفها التاريخ. وهنا تتحوّل عملية الاختيار إلى اكتشاف لا يقلّ عمقًا عن العمل الفني نفسه
2.في أعمالك، يبدو الحرف كأنه يُنطِق الملامح؛ فهل ترى أن الكلمة أصدق من الصورة في التعبير عن الإنسان؟
يقوم مشروعي على ثلاث ركائز: الصورة، والقول، والحرف.الصورة ليست توثيقًا فقط، بل لحظة تختصر شخصية كاملة في ملامح ونظرة.والقول هو خلاصة التجربة الإنسانية للشخصية، أختاره بعد قراءة معمّقة تكشف ما وراء الصورة النمطية.أما الحرف، فأتعامل معه كعنصر تشكيلي حيّ، يتحرّك ويندمج مع الملامح ليبني المعنى بصريًا وجماليًا.في هذا التكامل، لا تشرح الصورة النص، ولا يفسّر النص الصورة، بل يتكاملان ليشكّلا تجربة واحدة تُرى وتُقرأ في آنٍ معًا
3.إلى أي حدّ يمكن للمتلقي أن يقرأ اللوحة دون معرفة مسبقة بالشخصية أو أقوالها؟ وهل يظل العمل مكتملًا في هذه الحالة؟
متعة المتلقي تصبح في البحث.من بعيد، تبدو اللوحة “بورتريه” متكاملًا، لكن مع الاقتراب، ينكشف أنها مبنية بالكامل من كلمات. لا وجود لخطّ عشوائي؛ كلّ تفصيل هو نصّ مكتوب بتسلسل واضح، يبدأ غالبًا من العينين، حيث تنطلق رحلة القراءة.يتحوّل المتلقي من مُشاهدٍ إلى باحث، يكتشف المعنى تدريجيًا. وهكذا، لا يفقد العمل اكتماله، بل يكتسب طبقاتٍ إضافية تُمنح لمَن يمنحه وقتًا أطول.الكلمات ليست مبعثرة، بل مكتوبة بتسلسل منطقي واضح، تبدأ من نقطة محددة وتنتهي عند أخرى
4..كونك شاعرًا ورسّامًا، كيف تتقاطع القصيدة مع اللوحة في تجربتك؟ وهل تكتب ما ترسم أم ترسم ما تكتب؟
سؤالٌ جميل، لأنه يلامس جوهر تجربتي.لا أستطيع الفصل بين الرسم والشعر في عملي، خاصة أنني أعمل بالحرف العربي. فالحرف ليس مجرد وسيلة للكتابة، بل كيان جمالي قائم بذاته، يحمل في شكله موسيقى بصرية، كما يحمل الشعر موسيقاه في الإيقاع والمعنى.اللغة العربية غنية على أكثر من مستوى: في مفرداتها، وصورها، وأوزانها الشعرية. وهذا الغنى ينعكس في الحرف، الذي يمتلك مرونة وتنوعًا يفتحان آفاقًا واسعة للإبداع التشكيلي. لذلك، يصبح الرسم بالحرف امتدادًا طبيعيًا للشعر، لا مكمّلًا له.حتى من لا يفهم العربية، يلمس هذه الجمالية؛ يرى في الحرف بنية فنية متكاملة، وهذا بحدّ ذاته دليل على قوة الشكل وجاذبيته
ومن خلال مشروعي هذا، وجدت نفسي أعيش هذه العلاقة بشكل أعمق: أحيانًا أرسم فأجدني أكتب، وأحيانًا أكتب فأعود إلى الرسم. لم يعد هناك حدّ فاصل بين الاثنين، بل صارا جزءًا من عملية واحدة
وهنا تكمن قيمة هذه التجربة: إنها تذكير بجمالية اللغة العربية، وبالثروة الفنية الكامنة فيها، والتي لا تزال قادرة على إنتاج أشكال جديدة من التعبير إذا أُحسن استثمارها
5.هذا النوع من الفن يحمل بُعدًا فكريًا واضحًا؛ فهل تعتبر نفسك توثّق الشخصيات، أم تعيد قراءتها فنيًا من منظورك الخاص؟
هذه التجربة الفنية، في عمقها، لا أسعى من خلالها إلى تخليد الشخصيات بقدر ما أسعى إلى إعادة قراءتها. فبدل تقديمها كصور ثابتة في الذاكرة، أعيد ربط ملامحها بأقوالها، وكأنها تستعيد حضورها من جديد. وفي جمع أكثر من مئة وخمسين شخصية، مختلفة الخلفيات والانتماءات، تتشكّل مساحة حوار لا تلغي الاختلاف، بل تحتضنه
ما تكشفه هذه التجربة في نهايتها، ليس فقط عن الشخصيات، بل عن نظرتنا إليها: لا تأييد مطلق، ولا رفض مطلق. في كل إنسان ما يستحق التأمل، كما فيه ما يثير التساؤل. وهكذا، يصبح العمل توثيقًا مزدوجًا: لذاكرة الآخرين، ولرحلتي في فهمهم وإعادة تشكيلهم
