بقلم ملاك درويش

قراءة نقديّة للمنظور الرّوائيّ في ضوء رواية “وادي الغيوم”:
أنهيت مؤخّرًا قراءة رواية أستاذي الدّكتور “علي نسر”، والموسومة ب “وادي الغيوم”. وأعرف عن كثبٍ كم أغدقت الأقلام في الكتابة عن فحواها، والتّحدّث عن الرّؤى الّتي ينضح بها المنظور الرّوائيّ الّذي لم يتّسم بأحاديّة الصّوت، بل تعدّدت الأصوات، لتكون كلّ شخصيّة رئيسة راويًا فيها (ثلاثة رواة = ثلاث شخصيّات رئيسة).
ولعلّ هذا ما لفتني بدايةً في بنيتها السّرديّة، فتجد نفسك أمام رؤىً مختلفة، وإزاء أنماط مجتمعيّة متنوّعة.
ولهذا التّعدّد انعكاسات إيجابيّة في ذهن المتلقّي، إذ إنّه يتلقّف صنوف المعرفة المختلفة، فينتقي وجدانيًّا وفكريًّا ما يتناسب ونظرته إلى الوجود. لتتماثل الرّواية لنا على شكل مسرح الدّمى، لا تأثير لمن يحرّكها -أي الدّمى- والمتواري خلف السّتار، إلّا أنّه يوزّع بشكلٍ غير مباشر طرفًا من نوازعه عليها، ويُسقط أخرى مراعيًا نصّ المسرحيّة.
وهذه الحنكة السّرديّة في اختيار نوع الرّاوي تجنّب المؤلّف تأويلات وإسقاطات ذاتيّة، وتجعله على مسافة أمان بين النّصّ والقارئ،.
فالرّواية تترجم سخطًا مجتمعيًّا واضحًا، وتنزل السّتار عن كثيرٍ من المشهديّات في مجتمع متنوّع الأوجه، فيه المتزمّت دينيًّا والمثقّف المتمرّد، وضحايا العادات والتّقاليد البالية. إنّها تسلّط الضّوء على واقع مأزوم عقب حرب تركت آثارًا دامية في النّفوس، وتصدّعت معها مفاهيم ومبادئ كانت مقدّسة في مراحل سابقة.
هي تأريخ نفسيّ لما تصارعه الشّخصيّة في ظلّ التّناقضات الّتي تعاينها، وتُحيل النّفس البشريّة فأر تجارب، إمّا يموت بعد إخفاق التّجربة، أو يستمرّ في تأدية واجب الاختبار، ليُثبت لصنّاع التّأريخ المقنّعين وهمّيّة النّجاح لإنجازاتهم، وانتصاراتهم.
وخلاصة القول، لا مكاسب في الحرب، بل إنّها تعيد تأهيل النّاس في إصلاحيّتها اللّاإنسانيّة، ليتكيّفوا والظّروف المفروضة عليهم.
ف “يوسف قنديل” المثقّف المتمرّد” لم يجنِ غير شخصيّة متصدّعة، فيها من التّعقيد بفعل الصّدمات المتتالية، ما يجعله في أزمة وجوديّة لامتناهية. و”صلاح” المقاوم والمتزمّت دينيًّا، سقط لمصيره المحتوم؛ أي الموت، وذلك بعد خديعة الزّواج الزّائف مع امرأة خائنة، والقضيّة المشوّهة بأنياب الوصوليّين. و”مرام” الحبيبة الّتي تخلّى عنها يوسف بعد قصّة حبٍ أفرغ فيها رغباته الجسديّة وعقده النّفسيّة، لينهشَها المجهول، لم تحصد غير زيجة (صالونات)، مؤدّية دور السّيّدة في ممارسة (بروتوكول) يوميّاتها، فتتملّكها غربةٌ روحيّة لا تدرك لها ترياقًا.
نعم، حكايا عديدة جمعتها صفحات رواية واحدة، ليفصح الرّوائيّ عن أسرار وخبايا تجتاح مجتمعنا الشّرقيّ اليوم من دون أن يتدخّل في تحليل الحدث أو تفسيره بعد صناعته، بل اكتفى بتحريك عرائسه على مسرح “وادي الغيوم “، معلنًا عن أيديولجيا يستشري فيها داء التّشظّي والضّياع، والمتمثّلة في الصّراع الوجوديّ الأبديّ بين الفرد المجتمعيّ وطبيعته الإنسانيّة.
ملاك درويش

اترك ردإلغاء الرد

اكتشاف المزيد من نادي الكتاب اللبناني

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

Exit mobile version