- سحر الحضور - مارس 18, 2024
- بين شقاءٍ وحب - يناير 30, 2024
- صفقة القرن العشرين - يناير 23, 2024
بقلم يوسف طراد
ثقافةٌ ميليشياوية
اِحصوا نبضاتكم جيّدًا لأنّ الأدرينالين سيتدفق في شرايينكم بلا هوادة وسيتضاعف خفقان قلبكم عند قراءتكم رواية “الفنّ الأسود”، الصادرة عن دار سائر المشرق للنشر، للكاتب المتخصّص في “الأدب الميليشياوي” الأستاذ سامي معروف.
يشقى الحزن ملتاعًا في رحاب الصفحات؛ كلّما قرأنا إسقاطًا يتضاعف ألمنا على ضحايا كلّ حادثٍ محزنٍ حضنته السطور. بداية الرواية (الصّورة) فصل يدل بوضوحٍ على الإرث الإرهابي لعائلة النجّار، من النّبك في سوريا، ويرسم شجرة العائلة الصغيرة من الجدّ حارث إلى الحفيد حارث، مرورًا بالأب ملحم الذي تلقّى (قتلة) مضاعفة من أستاذه ووالده، كانت هذه (القتلة) بذرة زُرعت في أرض صالحة للشر، فأنبتت مكرًا متأصلًا في ولد يدعى (حارث) على اسم جدّه، فورث الاسم والصفات من دون هويّة لأن هويّته فُقدت منه وأصبح نكرة بعد لجوء عائلته إلى لبنان وإدخاله إصلاحيّة. ما من صلاحٍ يستطيع أن يغيّر نكرة تأصّلت في داخلها جميع الشرور، لتصبح شبحًا يقتات من رعب الآخرين.
تتوالى الفصول المدوّنة من قِبَل حمداش الجابري الملقّب ب”أبو غبرة”، وهو صديق حارث الحفيد. هذه الفصول قد أُدرجت في هذه الرواية وفق تسلسلٍ زمنيّ فرضته ظروف الحرب اللبنانيّة، حيث تبدأ بوصف عنتريّات أبو غبرة عندما كان ينتمي إلى القوّة الضاربة في حزب المردة 3/400، وغرامه بفتاة زغرتاويّة، ثم إحباطه عرسها علانية بالقوّة، مع أنّه كان محضّرًا سرًّا في مدينة البترون، ما سبّب بمعارك شرسة بين الميليشيات المتصارعة. بعدها ينتقل إلى فصل مثير من فصول بطل الرواية وحياته المشقلبة، وقصّة التحاقه بالقوّات اللبنانية على حاجز البربارة باِسمٍ وهمي (سايد مخلوف) وهويّة مزوّرة، تخلّلت هذا الفصل عمليات سرقة سيّارات فخمة، جرت بطرق مبتكرة تعجز عنها أخطر المافيات الإيطاليّة.
وفي الفصول اللاصقة نقع على نهجٍ مبتكرٍ من عمليّات سرقة السيّارات الفخمة، وسرقة المصارف، والابتزاز الجنسي، والخطف، والتسويات التي لا تخطر عل بال أحد… كلّ مرّةٍ يدخل فيها حارث ملحم النجّار السجن باِسمٍ منتحَلٍ وهويّةٍ جديدةٍ لشخصٍ لا هويّة له، تكون بمثابة استراحة هو بحاجة إليها، لينطلق بعدها الى أعمال ترهيبٍ بعد الترغيب، ونصب شباك كشباك العنكبوت، لشخصٍ بأربعين عينٍ وفكرٍ متّقدٍ مبدعٍ للشرور.
لم يظهر أبو غبرة مجردًا من الإنسانية في كلّ ما فعل، ففي لمحات من الرواية كان يُحسن للمظلومين وينصفهم أمام الظالمين الأثرياء. شخصيةٌ لم تحسب حسابًا للعابرين في حياتها المضطربة، ذابت سريعًا في فساد المجتمع، حيلتها للإستمرار في الحياة، النصب، والغش، والإرهاب الممنهج.
في كلّ قراءة للواقع يجد أبو غبرة نفسه داخل النفق المؤدّي لما وراء قضبان السجن. لم يكن الابن الضالّ الذي يريد العودة للصواب وسط الزحام الممتلىء بالأسلحة، والأموال المنهوبة، والنساء الجميلات، ونشوة الانتصارات بعد كلّ عملية موصوفة بالدهاء والخطورة. كان يداعب المستحيل بتصميم فائق الإحتراف. لم يحتضن الصلاح يومًا، فقد كانت الأقنعة الملوّنة والأدوار المتنوّعة التي يؤدّيها على مسرح الجرائم، تمنعه من رؤية البسمة الصافية للتوبة.
سردٌ شائق لكاتب متمرّس في أدب المجتمعات العسكريّة غير الشرعيّة، كما في روايته “فطير الشرق”. وصف سامي معروف عزلة بطل الرواية فوق إمارة السوء، وسط زحمة آلهة النفاق. سطور كُتبت بأناقة الرصاص ووجل الرعب، حَوَت غيومًا ملبّدة أرضعت عواصفها رجلًا يلهو بأقدار ضحاياه، ممارسات الشبح “الغبراوي” رقصٌ أنيق على حفافي سهول الذئاب العابرة عبر أشواك الدروب، كان ك”باشق الدّلم” يرافق السرب ويأكل منه.
لماذا يا سامي معروف أعطيت صكّ براءة لشبح الرعب كي يتسلّط على نهاية روايتك (خلاصات)؟! ألهذا الحدّ هي مربكة نهاية الروايات المتولّدة من رحم الأعاصير وقوانين المافيات الجائرة؟ شبحك وُلد في قمقمٍ رغم المرافعة التي كتبها المحامي البارع ليترافع بها أمام القاضي؛ إذا كانت البراءة نصيبه، فعدالة السماء لن تموت. ربما سيجد ربًّا رحومًا، لكن بعد الحساب العسير. شبحك بقي دودةً في شرنقةٍ ولم يتحول إلى فراشة جميلة تدلّ على ألوان الحياة. شبحك وطواطٌ عاش على دماء الظلمة وعفن المجتمعات.
أدب سامي معروف ترك الأقنعة من دون صخبٍ، كأنه سنبلة بقلبها الممتلىء معانٍ تنحني لنسمة الحقائق تواضعًا، محاولةً إستعادة إنسانيّة منكوبة بكفر آلهة المتعة وأسرار الخوف. حبره خربش عذرية الوطن برسومات ممارسات الميليشيّات على دروب الانتحار اليومي وهوس الهاوية.
يوسف طراد
الثلاثاء 8 تشرين الأول 2019
