Latest posts by Dr. Salam Slim Saad (see all)

هكذا قرأت
يوسف طراد
يقول بولس الرسول في رسالته إلى أهل روما” “إفرحوا مع الفرحين وابكوا مع الباكين”.
ستة وخمسون قصّة قصيرة، من ضمنها الإهداء، يَفرحُ معها القارىء بصداها الهادف حينًا، ويرقص مع نارٍ حرقت أجسادًا ونفوسًا حينًا آخر، كما في كتاب “رقصة النار”، للكاتبة التونسيّة فتحيّة دبش.
هل هذه هي الحياة في مجتمعاتنا؟ نعم عرضتها الكاتبة في قصصٍ قصيرة ذات أبعاد تسكنها عزيمة التحدّي، وشهوة أزليّة لنسج الواقع مع حلم المستقبل؟ لهذا ضمّت القصص مآسي معروضة في معارض الذّل، يتجاهلها الجميع. نضيء على بعض منها: آخرُ خيط في سروال مقابل سيجارة. أساريرٌ تتهلَّل في حضور ازدواجيّة الحبّ. غشاوةٌ من استباحة النساء، “قناعُ دم أحمر”. طَبَقٌ أفريقيٌ تقليديٌ من الجوع، مغاير لأطباقِ شمال المتوسّط. “حجمُ التّهمة أنثى” في شرقنا الحبيب المهيب، خيانةٌ. لسعُ أسواط على أكتاف نسائيّة من دون رحمة. أمطارٌ حمراء كلّ صباح لتستمرَّ المعاناة في (حلقة مُفرغة). الشمسُ من المرأة والماءُ من الرجل. اِتِّحادهما حياة، لكنّ البرد القارس لجمهُما. عملةٌ مضروبةٌ، وأفواهٌ جائعةٌ جعلت علبة الحليب تنطق.
طلقاتٌ غير طائشة، وعبورٌ من الفرح المنشود إلى الموت المحتوم. جائعون يموتون بأعين مفتوحة. عصافيرُ بطون لا يصل صوتها إلى ضميرٍ مفقود. سنينٌ أصبحت رمادًا، والحزن هويّة جديدة. أوقاتٌ مبهمة في الأفق البعيد. ازدحامٌ في الأرحام. مفارشُ عديدة في قاعات الجلوس، ولَعْنٌ للقدر المُبْتلي.
طريقٌ سالك إلى النهاية المحتومة، عبَّده الراحلون لسهولة الفناء. حوادثُ سير سَبَبُها خمور برائحة نساء. يُتْمٌ وأرواحٌ تئنُّ تحت الصخور. زغاريدٌ وصخب في مأتم. لحنُ شياطين وإعادة تدوير الكرة الأرضية لإنتهاء صلاحيتها قبل الفتن. صراخٌ، لذةٌ وشبق جلاد. حجرةُ تعذيبٍ وقَسَمُ ولاءٍ للحرية. عطرٌ باريسيّ بروائح نبيذ وقيء. افرازاتٌ من لحوم البشر. راهبةٌ في دير عاد إليها حبيبها. حشّاشون ورقاب تُقطع. تسلُّلُ الماتادور إلى حيث عانق الدّخان دماء الذبيحة على صهوة الليل، خلال حفلة شواء ثمنُها أنينٌ  ونصلٌ سكينٍ في الظهر.
هلوسةٌ وإختفاءُ رجالٍ في الموج خلال الرحيل إلى الشمال. رصاصٌ يمزّق أولادًا، ودموعٌ تجاور قُبَلًا طبعتها الأطفال على خدود الأمهات. خربشاتٌ وسط صمت مدقع. لاجئون يلهثون من أعالي الغياب على الزوارق المطاطيّة. رقصةُ نار ورصاصة بندقيّة في القلب، ليتها في الدماغ، لأن القلب مرصود. مرايا وخيال قدّيس ليس سوى شيطان. حيوانٌ في ليلة الدُّخلة. رقصةُ موت مجنونة في منجم تَخاصَر سقفه مع القاعة.
حضورُ الحوت وموتٌ في المدّ والجزر. حمايةُ رضيع بقطع أنفاسه. جثّةٌ وتقوقعٌ وغرقُ عربيد. مقاومة. أسنانٌ صدئة وغربانٌ تملأ السماء نعيقًا. عدالةٌ غائبةٌ وأخاديدُ على وجهٍ، وزمنُ الصمت ولّى. نكرانٌ وجلسةٌ تضاعف في نهايتها عدد الجياع والمشرّدين. إقامةٌ إجباريّةٌ في مدن تائهة، وابتساماتٌ مقابل ردّْ الجميل. فتيانٌ داخل براميل مفخّخة. مأدبةٌ وشهيّةٌ تُقَطِرُ دمًا. سقوطٌ وسعيرُ خرافة. وطنٌ خراب. أعمًى يغتصب عجوزًا.  موازينٌ!!! عائداتٌ محقَّقَة لشركة، لا تضاهي قيمتها أجرة موظفة جديدة بدون حمّالة صدر. ظهرٌ محدودبٌ وخيباتٌ معلّقةٌ، وأطفالٌ يطالبون أبيهم بنفقة أمهم.
هل تأذنين يا فتحية أن نهديَ قصة (انتصار) إلى كلّ من أصيب  بالمرض الخبيث، علّها تكون شعاع نور وأمل من نافذة ظلام؟
كاتبة تميّزت بفيض أشواقها الشارد بين الوجع والحنين. كم يليق بها عذاب القلم، والحلم المُشتهى لأوطان تداعب التاريخ على مراكب المستحيل إلى حلم الرُقيّ. أدبها متواتر الصدى في أوصال الجهل المنتشر على الأرصفة العارية الَّا من هلوسات وأمنيات ضالّة. كلماتها كسرت ترانيم الظلم المترامي على امتداد وطن العرب، وبدّدت مسافات السهاد، تاركةً للمجتمعات خطوة الانعتاق من أوهامها.

اترك ردإلغاء الرد

اكتشاف المزيد من نادي الكتاب اللبناني

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

Exit mobile version