الفضاء الثّقافيّ تحت المجهر في كتاب حبر أبيض –نصوص في الشّعر والثّقافة والحياة- للشّاعر والنّاقد “مردوك الشّامي”، الصّادر عن منشورات شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحاده الثّقافيّ
——————————————————————————
المطالعةُ هي خروج حتميّ من قوقعة الجهل والتّخلّف والتّعصّب، بل هي تكوين جنينيّ لرؤيةٍ نافذة نحو الواقع وتجلّيّاته، فكيف إذا امتزجت بنصوص كتابةٍ تعبّد مساعيها، وتتّخذها موضوعًا لسبر أغوار الثّقافة العربيّة بعامّة، واللّبنانيّة بخاصّة؟!
نعم، فقد وقع اختياري هذه المرّة على كتاب (حبر أبيض) للشّاعر والنّاقد “مردوك الشّامي” –رئيس منتدى حبر أبيض- وهو عبارة عن مجموعة نصوص تندرج في فضائين متكاملين:
- أوّلهما، مسحٌ نقديّ للواقع الثّقافي العربيّ، ولا سيّما في لبنان، بما يشتمل عليه من منتديات وأمسيات وندوات وطروحات ونتاجات، وغيرها…
- ثانيهما، قراءات ومقدّمات لنتاجات أدبيّة صادرة، وأمسيات أدبيّة أُقيمت في غيرِ مناسبة.
وفي الحقيقة، يمكن القول إنّ هذا الكتاب هو أبعد بكثير من كونه مرآة لطروحات فكريّة وثقافيّة ونقديّة فحسب، إذ إنّه أقرب إلى كونه كتابًا إشكاليًّا؛ ذلك أنّه يحاول في غير نصّ عبر أدوات النّقد الانطباعيّ والوصفيّ التّحليليّ والتّأريخيّ تارةً، وآليّة نقد النّقد في تصويب الرّؤية المفهوميّة إزاء مصطلحات ومفاهيم وإشكاليّات مطروقة، أن يؤجّج اشتعال الجدليّة الثّقافيّة الآنيّة، بل والأزليّة والمتمثّلة في: الواقع الأدبيّ بين المواهب الرّاقية والادّعاءات الهابطة.
وبما أنّنا في صدد مرجع يتّسع لهذا المدى من الطّروحات والإشكاليّات، فلنا وقفة عند بعض الطّروحات الّـتي تصبّ في صميم الجدليّة -آنفة الذّكر- وذلك على الشّكل الآتي:- “ما أكثر الشّعر، وما أقلّه، ليس في لبنان وحسب، بل في كلّ العالم المعاصر، والقديم كذلك، ما أكثر الشّعر في كلّ ما يحيط بنا من فرح وفواجع وكوارث، وما أقلّه في التّرجمة إلى حروف ونبض وكرامات”. ولعلّ هذا الطّرح يشير قبل كلّ شيْ إلى أزليّة تلك الجدليّة من جهة، ومن جهة أخرى إلى الواقع المأزوم الّذي نعاينه بفعل تقعيد مفهوم الشّعر، والابتعاد به من عالمه الأوسع والأشمل؛ ألا وهو الوجود الإنسانيّ.
- “الشّعراء لم يعودوا نجوم زمانهم، هذا زمن الشّهرة فيه للفقاعة…”، وفي هذه المقولة هجومٌ صريح على الواقع الثّقافي المتردّي الّذي هبط بالفنّ وأهله إلى الهاوية من دون مراعاة للأثر الإنسانيّ الّذي سيتقزّم بفعل هذا الانهيار.
- “الشّعريّة نمتلكها بالمعرفة والحلم والخيال، والمبنى متاحٌ لنا، يمتلكه كلّ أديب وشاعر بقلم الكفاءة ومحبرة التّفرّد. والمعنى، أظنّه يبقى منذ اللّحظة وحتّى آخر التّحليق في قلب الشّاعر، أظنّه أوّل النّبض وآخر الانطفاء”. إنّ هذه الخلاصة الّتي ختم بها نصًّا في نقد النّقد، حيث يعالج مفهومي المبنى والمعنى في ضوء نظريّات عديدة لأعلام في النّقد (الجاحظ وابن الأثير، وغيرهما…)، هي معادلة منصفة بحقّيهما، فلا غلبة لكفّة أحدهما على الآخر، كما للمبنى بريقه وتفرّده في ذات الأديب، كذلك للمعنى حصانة لا يمكن انتهاكها.
هذه الطّروحات وغيرها الّتي يعجّ بها الكتاب، ليست إلّا من علامات النّضج النّقديّ والوعي الثّقافي لدى الشّاعر النّاقد، ودلالة على تأثّر شخصيّته النّقديّة ببذور شعريّته، وهذا ما يتّضح جليًّا في الأسلوب الإبداعيّ والإيحاءات والانزياحات المتوسّلة في مختلف جوانب المعالجة.
أمّا إذا أردنا أن نصنّف هذا المنتج، فإنّنا سنقف لا محالة متحيّرين؛ ذلك أنّنا نجد صاحبه في غير نصّ ناقدًا موضوعيًّا يطرح قضاياه بدقّة وتجرّد تارةً، وطورًا نجده ذاتيًّا متحيّزًا لأفكار جاءت وليدة تجربته الشّعريّة، فيحلّق شاعرًا في سبر أغوار المعنى المراد.
لذا، يمكننا القول إنّ هذا الكتاب هو توليفةٌ مبدعة وجريئة بين النّقد والجمال، وإذا صحّ التّعبير فهو: رؤية جماليّة في فضاء النّقد والثّقافة.
هذا الكتاب يندرج ضمن الأدب الجماليّ، فيضع الفضاء الثّقافيّ بمحاوره الثّلاثة: ثقافة وأدب وحياة تحت مجهر الرّؤية الجماليّة النّقديّة.
Latest posts by Rihab Hani khattar (see all)
- الباحثو الكاتب فاروق خداج يتأهل الى القائمة القصيرة لمنحةمركز ابو ظبي للغة العربية٢٠٢٦ - يونيو 12, 2026
- حوار مع الشاعر هنري زغيب - مايو 17, 2026
- التراث الروحي و علاقته بالعبور - مارس 26, 2026
