- سحر الحضور - مارس 18, 2024
- بين شقاءٍ وحب - يناير 30, 2024
- صفقة القرن العشرين - يناير 23, 2024
بقلم يوسف طراد
الخلطة السحريّة بين البنيويّة والماركسيّة عند الدكتورة يمنى العيد
النقد إمتحان لمسيرة الأدب في أنويته وابتدائه ومسيرته، فلا عجب إن ظلّ النقد قاصرًا عن لعب دور الجسر بين الكاتب والقارئ؛ وكأنّنا نشهد بذلك على قصور معرفي حاد بين دالّة الأدب ومدلول قواعد النقد. لكن هناك شخصيّات أدبية مرموقة كالدكتورة حكمت المجذوب الصّباغ، قد دخلت إلى الفكر الإنساني بقواعد ثابتة، طُهّرت بالتجربة والملاحظة الدقيقة، بغية وضع كلّ مؤلَّف في ميزان يستبين الصحيح من الخطأ، وصولًا إلى تعميمٍ شاملٍ بعيدًا عن الوهم أو التلّبد الذهني. أي بتعبير أدق إنّها استعملت نعمة التّفكر في قوام عملها الأدبي، وفق ما أملته عليها سياقات التجربة العلميّة التي تحدد مسارات النقد بشكل يرقى إلى الأمثل.
هل أنّ الاسماء شرفات مزخرفة للآخرين، وهل أن الاسم هو العنوان المرتضى للضياء؟ غنّت السيدة فيروز الحريّة في مسرحية ناطورة المفاتيح صادحة: “غيروا اساميكن إذا فيكن/ لوّنوا عيونكن إذا فيكن…” فإذا استطاع البعض في هذا العصر تغيير لون عيونهم بواسطة عدسات لاصقة، فحكمت الصّباغ قد غيّرت اسمها بواسطة عدسات فكريّة محوريّة حرّة، تجمع الضوء وتفلشه على الصفحات فتنير الأفكار. “يُمنى العيد” هو الاسم المميّز الذي اعتمدته حكمت الصّباغ ولازمها طيلة حياتها الأدبية إلى الآن. لماذا اختارت هذا الاسم “يُمنى” وهو مؤنث لأيمن، وهي يساريّة الفكر وماركسيّة الهوى النقدي؟ فقد اعتبرت في أحد مواقفها: “أنّ النصّ يستمد قوته أثناء تحليله عن طريق ربطه بالظروف الإجتماعية” هي الساعية دائمًا إلى دمج البنيوية بالمنهج الإجتماعي. ربّما أنها بيمناها استطاعت أن تغيّر النقد على مستوى الشكل والمضمون، وطبّقت أفكارًا ومبادئ عبّرت عن رؤياها. فكانت سبيلًا إلى تعدد المقاربات والمفارقات، بين النقد الماركسي والنقد البنيوي، وهذا من شأنه أن يستنطق العمل النقدي الإبداعي، ويُبرز مواطن الضعف والقوة في النص المنقود. يحضر أمامنا ما قاله عنها محمد ولد بوعليبة في كتابه “النقد الغربي والنقد العربي” : “سنحاول أن نوضح أن هذه الناقدة تناولت البنيوية انطلاقًا من مواقفها الماركسية، ولنا أن نتساءل عن النتائج التي سيثمر عنها التقاء فكرين قد يختلفان إلى حد التناقض”. فثمار هذا اللقاء ودمجه في نهج موحّد عند يمنى العيد، كان فرح النقد وعيده، وها قد اجتمعت اليمنى بالعيد وزينت حكمت اللقب.
في كتاب “الراوي: الموقع والشكل” اعتبرت يمنى العيد النقد مطالعة للنص، لكنها مطالعة نشطة حسب تعبيرها، وانتقلت من معنى وجدوى النقد، إلى “لماذا النقد قراءة؟” واعتبرت النقد علمًا قائمًا بحد ذاته، بعد ربطها بين النقد والمنقود، فكان سؤالها: “هل يمكن للنص الأدبي أن يكون مادة بحث علمي”. وقد انفتحت على جميع النصوص التي تناولتها نقدًا، وعملت على تحريرها من عبودية المدارس النقديّة وأصول اللغة، والإبداع الملصق بالكاتب.
كيف للنص الإبداعي أن ينهض وينفتح على المجتمع الأدبي من دون قارئ؟ فقد شكّلت يمنى العيد الحوافز على القراءة، عندما طرحت مسألة التعبير والموقع، وعلاقة الكاتب باللغة والنص، ودمجهما بإيديولوجية سحر الأفكار وفن الرواية، من خلال العمل الإبداعي وموقعه وطريقة التعبير عنه. وكان الأمن الأدبي الاجتماعي غايتها عندما سألت: “هل يمكن الاستنتاج بأن الفني هو بالضرورة حواري، أو بتعبير يستند إلى مفهوم الحريّة الاجتماعية… ديمقراطي؟”. وهنا شاركت السيدة فيروز بأغنية الحريّة وغيّرت أفق النقد ولوّنت عيون القرّاء.
اجتهدت يمنى العيد خلال كتابها “معرفة النص” على تأطير طريقة تعامل القارئ مع النقد. وقد عملت بجهدٍ جهيدٍ على المنهج البنيوي والواقعي والاجتماعي، على الرغم من إختلاف الطرق ووجهات النظر والخلفيات والتصورات التي يتّبعها كلّ منهج. بهذا قد استشعرت أهمية المنهج في مقاربة النص الأدبي بشكل عام، بعد طرحها لإشكالية المنهج وعلاقته بما يحبّره الكاتب. هذه الإشكالية شغلت حيِّزًا هامًا في المجال النقدي العربي، ودفعت بالنّقاد إلى التنقل بين المناهج النقدية حسب نوع النص وهدفه، لتحليله وسبر أغواره. فقد بسّطت العيد التعامل مع النص على إختلاف نوعه ومضمونه ولغته، بعد أن كان التعامل معه من الأمور المستعصية والمعقدة، وخاصة عند احتوائه على عناصر لغوية متشابكة.
للأمانة، من النافل القول، أنّ بعض الكتب عند يمنى العيد لم تكن لها علاقة بالماركسيّة أو البنيويّة؛ بل كانت تشبه الدراسات الكلاسيكية الخاصة بالسيَر الذاتية للأدباء وحياتهم وعملهم واسلوبهم وتحليل مختارات من نتاجهم. من هذه الكتب “أمين الريحاني رحّالة العرب” وكتاب “قاسم أمين إصلاح قوامه المرأة” وقد صدرا في سبعينيات القرن المنصرم.
تقول العيد في إحدى مقابلاتها: “هاجسي الأول كان تكوين وعي معرفي، لا بالنص الأدبي أو بما نقرأ، بل بذواتنا وواقعنا، وعي معرفي ضدَّ الجهل الذي كان ثمنه لدى الكثيرين الحرمان والبؤس ، ونسبة كل مصيبة إلى القدر.” فخلال معظم مؤلّفاتها، نرى الكتابة النقدية للنصوص الأدبية، تتضمن بحثًا دائمًا عن هذا الوعي المعرفي، ونشعر بالتفتيش الدائم عن العلاقة بين الواقع الإجتماعي والأدب، ومدى تعبير الأخير بصدق عن هذا الواقع.
تقول أيضًا في مكان آخر: “كانت البنيويّة خطوة مساعدة جنبتني الوقوع في نظرية الانعكاس التي نُسبت إلى الماركسية…” من هنا نستطيع القول أنّ العيد قد استنبطت نهجًا نقديًا خاصًا بها، وقد أثّر على تغيير مفاهيم النقد العربي. كما يمكننا أن نقول أنّ لكل ناقد نهجه، ويمكن أن يكون هذا النهج مبتكرًا، أو أن يكون خليطًا من عدّة مدارس نقديّة، أو أن يكون نقدًا انطباعيًا عند النقّاد غير الأكادميين.
لقد مأسست يمنى العيد، وعينا النقدي على قواعد راسخة، في منهج العلم. وأبعدتنا بادئ ذي بدء عن آليات التفكير التقليدي، وجعلتنا نعي جدلية النقد المتّبع بأشكاله وإشكالياته كافّة. لننطلق إلى (دياليكتيك) النقد البنّاء، بحيث نمسح من عصبونات أدمغتنا، الأفكار المعلّبة عن النقد ومناهجه، القائمة على أطرٍ مقيِّدة للناقد. وجعلتنا نعود إلى انطباعنا التلقائي وفق معادلات الواقع المنظور، وجمالها الأدبي في حركاتها الطبيعية التي تعتمد الإبداع، كرافد حقيقي لكلّ ما نقرأه، من منجزات أدبيّة قديمة وحديثة. فهكذا يمكن للنقّاد أن يضعوا قدمًا ثابتة على طريق المنجزات الحضاريّة ضمن مسيرة الأدب وأساليب الإبهار الفكري، كما فعل النقّاد الغربيون منذ قرون، وأن يؤدلجوا الواقع بمنظور الحقيقة الصادقة، وليس وفق هياكل نقدية قائمة على أطر تقيّد الناقد.
كما جعلتنا يمنى العيد، أن نعيد صياغة الواقع، بابتكار النقد المختلف. وأن نلج سبل الحداثة باقتدار الناقد ذي الانطباع البسيط الجميل، بعيدًا عن اشكاليات معلّقة في تاريخٍ قديمٍ. فبقدر ما نسعى جاهدين إلى تطويع العقل على اكتناه فضائل الأدب وجمال الكلمة، بقدر ما نكون قطعنا أشواطًا لاستدامة أدبنا، ورفع منسوب وعينا الأدبي وجدارتنا بأن نكون في ركب وتطلعات الأدب والنقد العالميين.
