بقلم الدكتور الياس مقبل
مرحبا يا أمي، كيفَ حالك؟
سأكتب لكِ اليوم رسالة من المدينة، كما تعوّدَت “شموني” أن تكتب لوالدتها، في رواية الصحافي حنا الخوري الفغالي الذي هو من وادي شحرور. هل تذكرين “رسائل شموني”، التي كنا نقرؤها معًا، ونضحك من أسلوب المؤلف الطريف؟ شموني كانت مندهشة من المدينة ومحتارة بعض الشيء، لكن أنا لست كذلك. هنا البيوت عبارة عن أبنية عالية، لا قرميد فيها ولا شبابيك من خشب ولا علية أمام مصطبة. أشعر أنني أدخل عالمًا واسعًا، فيه الكثير من الغموض والمفاجآت. شموني كانت متهورة قليلا، لكن سأسعى أن لا أشابهها، كما أوصيتني! صديقي شهاب، قانط بعض الشيء ويبغي العودة. يطغى علي أنا شعور بالحذر. أحنّ الى ضيعتنا كما كان يحنّ يوسف حبشي الأشقر، الروائي الفذّ، الى ضيعته بيت شباب، لكن في المقابل حنيني لا يستعجلني للعودة الى أحراش ضيعتنا، ولا الى العزلة كتلك التي كان ينشدها ميخائيل نعيمة في الشخروب، في ذلك المكان النائي من بلدة بسكنتا، تحت صنين. نعم! أحنّ الى مياه الينابيع العذبة، الباردة، المنعشة، لكنني سأعود يوما ما إن شاء الله. بعض الأمور في المدينة جميلة، يا أمي. سأخبرك عنها لاحقا في رسائلي. آمل فقط أن أجد فيها مكتبة بالقرب من شقتي. الى الآن، أشعر أن بعض أدبائنا بالغوا في انتقادهم للمدينة. لكنني ما زلت قليل الخبرة مقارنة بهم. هل تذكرين كم انتقدت أميلي نصرالله المدينة؟ قالت إن المدينة مسختها، والقرية رفضتها، في رواية طيور أيلول!! يا له من رأي مفاجئ ومستغرب! هل القرية والمدينة هما أبيض وأسود؟ أخشى التقوقع في القرية وأخشى الإنفلات في المدينة. آه! ولكن دفء ضيعتي ينقصني…كذلك الدفء الذي أشعر به عندما أقرأ مارون عبود، وأبحث عن جمالات المدينة في حين لا تفارقني جمالات القرية كالتي وصفها أمين نخلة، أو كتاب “دروب القمر”…
في الليالي يا أمي، سيطل علينا قمر الضيعة ونحن هنا في المدينة. سأنظر إليه من شقتي، عساني أراكم كلكم مجتمعين تحت عريشة بيتنا، تنصتون الى هدير النهر الرقراق.
هو نفس القمر يا أمي… هل ستكون الحال هي هي أيضا؟!
أقبّل جبينك ويديك. سلمي على والدي وإخوتي.
أحبكم
- التراث الروحي و علاقته بالعبور - مارس 26, 2026
- بين منقوشةٍ و كتاب…ولد أديبٌ من جوع آخر - مارس 25, 2026
- نافذة الأمل … والحنين إلى علما الشعب - مارس 14, 2026
