- الحب الكبير - مارس 22, 2026
- الى كل ام في الحياة - مارس 21, 2026
- أمي.. نبضُ الروح - مارس 20, 2026
كتابة الاستاذ يوسف طراد
06-01-2025 |
لوحة فنية لنيكولاس رجا
نافذة مفتوحة على الماضي في جدار الحنين، لا تقوى أيادي الساكنين على إقفالها، كي لا يتبخّر حلم العودة، وينتحر الانتظار.
من تلك النافذة، كانت الطفولة المتوهّجة بالأمان في كنف العائلة، تطلّ على الدنيا، وترقب أشجاراً لا تنام. ورحل ذاك الشاب الوحيد، من العمر الهارب، تاركاً شقاء ولد يجول حول منزلٍ، بحواسَّ مبعثرة. فها هنا زرع الحبّ وأنشد للأرض وللديار.
وأقفل يأس الوالدة النافذة، ولأنّ الحكاية لا تموت، نادت نيكولاس رجا الشغف إلى شعيرات فرشاتها، لتعيد الأحلام المترنّحة بالحزن، إلى سهاد أمٍّ تنام قليلاً ريثما يعود وحيدها من غربة سرَقته.
وفتحت رجا النافذة على حلم بعيد، واستسلمت لرائحة البن تحت ظلال الأشجار خلال لقاء مع صاحبة المنزل، ونصّبت نفسها حارسة لصدى العودة. وحوّل خيالها دُجنة حائط المنزل إلى لونٍ مشرقٍ. وضحك ذاك الجدار العتيق الذي ضاق ذرعاً من ترحال ولد، كانت أسارير عينيه تنفرج، عند مشاهدة ابتسامة والدة، زرعت النور في فسحة قلبه.
زارت نيكولاس رجا أمّاً منتظرة ابنها قبل انفلاش العتمة، وقبل أن تقفل تلك الوالدة الحزينة النافذة، تضرّعت الأشجار إلى فرشاة الرسم، كي تبقي العناق بين درفتي الشبّاك والحائط، لتشاهد لهفة أمٍّ برؤية وحيدها الذي رحل مع الزمن، وهي على يقين أنّ عودته حتميّة مهما طالت غربته.
وابتهلت الفرشاة بدعاء الندى للصباح، من أجل غائب اينما ارتحل وحلّ. فلا مكان في الكون يستطيع فيه افتراش هذا السحر الأسطوريّ الذي باحت به حواس الألوان المدموجة بخفّة مع الخيال والطبيعة. فحوّلت قماشة داخل إطار إلى حلمٍ جميل رافق والدة في لياليها الطويلة. حلمٌ ترك باقة أمنيات على عتبة نافذة، ورحل من دون وداع، كما رحل من تحلم بعناقه بعد عودة.
ذاك الولد الذي صال وجال بجوار المنزل، وجمع الحطب لإشعاله في الموقد، رحل عن أتراب تناحر معهم. وبقيت أعواد الأشجار المقطوعة تنتظر النار، ولم تنضج طبخة التين المجفّف. فلمن تحضّر تلك الوالدة المؤن والأطايب، هي التي تحلّت بالحزن مع بعلها منتظرَين رسالة أو خبراً من مكان بعيد؟
وعاد الابن قبل أن تنهي نيكولاس رجا رسمتها، وكانت الوالدة تسقي نبتة الحبق التي زرعتها في وعاء كان في داخله دهان، دهن به الشاب حيطان غرف المنزل قبل رحيله، واختلطت الرائحة العطرة مع طيف عائد، وضحكت النافذة، وزادت إخضرار درفتيها من بهاء أوراق الأشجار، وأصبحت شبكة حديدها كخطوط الطول والعرض التي تحضن الكوكب الأزرق، كما حوت فرح اللحظة. وتململ الحطب ووصل صوت تململه إلى الوالد داخل المنزل، وشعر بسرور النافذة عندما رفع رأسه عن الكتاب المقدّس. فهرع إلى الخارج، فوجد زوجته العجوز تعانق ابنهما. فرك عينيه ليتيقّن الحقيقة، وانهمرت دموع فرح من مآقي كانت نبعاً لا ينضب لماء العينين، وملأت أخاديد في خدّيه أثلمتها دموع الحزن.
