- الحب الكبير - مارس 22, 2026
- الى كل ام في الحياة - مارس 21, 2026
- أمي.. نبضُ الروح - مارس 20, 2026
بقلم فاروق غانم خداج
كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
في زمنٍ تزدحم فيه الأصوات وتتراجع فيه القيم، يطلّ علينا اسم الدكتور إبراهيم شحرور، الذي وُكّل مؤخرًا نائبًا لرئيس مجلس الإنماء والإعمار، كوميض نحتاجه في عتمة الواقع. لم تُمكّنني الظروف من لقائه شخصيًا، لكني تعرفت إليه عبر قصائده، التي بدأ بكتابتها في سن ناضجة، فأدهشتني ذائقته الشعرية وشفافية الإحساس. وحين جمعنا حديث عابر، كان والده، الشاعر الكبير خليل شحرور، محور الحوار والحنين.
خليل شحرور، ذلك الصوت الذي سكن وجداني منذ الطفولة، لم يكن زجله وحده ما شدّني إليه، بل كلامه العذب ولهجته المشبعة بصدق الريف ونخوة الجبل. أتذكر يوم زار قريتنا “رويسة البلوط” مع الشاعر طليع حمدان، وألقى قصيدة غنّاها روجيه دفوني بعنوان: “لبنان يا جنة المعمورة”، فأسرتني كلماته، ووجدتني أتبعه من مهرجان إلى آخر، من بيت الدين إلى خلدة، حيث كان الزجل يرتفع معه إلى مرتبة الشهادة الوطنية.
كان ابن الجنوب، لكن قلبه كان معقودًا بجبل لبنان. لم يكن يراوغ أو يُجامل، بل يقول ما يؤمن به. أحببته لأنه كان نقيًا كنبع، صافيًا كقصيدة، وأشعرني أن القصيدة قد تكون أحيانًا أكثر وطنية من أي خطاب رسمي.
وحين غاب خليل، شعرت أن شيئًا من صوت لبنان قد انطفأ، لكن ابنه إبراهيم أعاد إحياء الشعلة، بطريقته. قصيدته في رثاء أبيه حملت صدقًا لامس قلبي، وتابعت بعدها كتاباته وندواته، فاكتشفت شاعرًا يحمل من أبيه روحًا نادرة، ومن الزمن الجديد وعيًا مختلفًا، ورأيت فيه صورة المثقف الذي لا ينفصل عن هموم الناس.
تعيينه في منصبه الجديد ليس مجرد حدث إداري، بل إشارة إلى أن الكلمة النزيهة ما زال لها مكان، وأن من كتب قصائد الحب للبنان، يمكنه أيضًا أن يشارك في بنائه.
وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أوجهها كتحية شخصية فحسب، بل كنداء وطني صادق يدعو إلى توسيع آفاق مناهجنا التعليمية، لتشمل أسماءً مثل خليل شحرور وغيره من رموز الوطن التي صنعت مجده بالكلمة والحرف. في زمن نحتاج فيه إلى إشاعة روح الوطنية الفضلى في نفوس أجيالنا، تصبح هذه الشخصيات مصدر إلهام حقيقي، تعلمهم أن الوطن ليس مجرد شعار يتردد، بل هو التزام وعطاء مستمر، وأن للكلمة الهادفة وقعًا أعمق وأصوب من الكلمات المجردة التي كثيرًا ما تتكرر دون أثر.
أذكر خليل شحرور وهو يحتضنني صغيرًا ويقول: “أنت ابن لبنان، جنة المعمورة”، واليوم، أقول لإبراهيم: كل التحايا لك، وكل الرجاء أن تبقى قريبًا من الناس، قريبًا من الوطن، لأننا نحتاج إلى من يكتب ويُعمّر، ويزرع في جدار الوطن وردة أمل لا تذبل.
