- الحب الكبير - مارس 22, 2026
- الى كل ام في الحياة - مارس 21, 2026
- أمي.. نبضُ الروح - مارس 20, 2026
بقلم يوسف طراد
نقلا عن موقع النهار
قراءتي في العدد الأخير لمجلّة المسيرة (1767) بكتاب “الأصيل والدخيل” للكاتب العالمي إسكندر نجّار تحت عنوان:
صراع الحرف والرقم في”الأصيل والدخيل”… الأجوبة أكثر تعقيدًا…
انتباه النص طويل جدًا
يوسف طراد
إذا كانت القراءة قد شكّلت عبر العصور، عنوانًا لتقدّم الأمم ورقيها ونمائها وازدهارها، وكانت معطى فكري وإنساني، وأسلوب من أساليب التعلّم الذاتي لإدراك كنه الحياة، وعيشها وفق نظم ثقافيّة قيّمة أسّست لنهضة المجتمعات البشريّة، فالثورة الرقميّة قد حملت من خصائص الانفجار المعرفي ما أدخل إلى ثقافتنا مفاهيم جديدة، وأعطتنا مسوغات مشروعة وغير مضبوطة لاكتشاف الآخر المختلف عنّا ثقافيًّا ودينيًّا وإجتماعيًّا… من خلال الدخول إلى عشرات البوّابات الرقميّة، وتلقّفت ما جرى ويجري في عالمنا من الحوارات الثقافيّة والعلميّة والبحثيّة… وعلى الرغم ممّا قدّمته للجميع من وعي وقدرة على الوصول إلى كونٍ هائل من المعلومات، نجدها في مجال آخر قد شكّلت إستلابًا ثقافيًّا، وإندراجًا في تعميم ثقافة الاستهلاك غير المعقلن وسخافة الرؤى الفكريّة، عوض الغوص في جدليّة الرقي من أجل إنتاج ثقافة إنسانيّة تخدم نماء المجتمع ومنعته وحصانته.
“الأصيل والدَّخيل”، كتاب للكاتب العالمي إسكندر نجّار، ونجله راي نجّار، يضعك أمام مناظرة ورقيّة وليس تلفزيونيّة، في حوار بين جيلين حول الثورة الرقمية. فإسكندر مثّل الدّخيل على العالم الرقمي، وراي شاب في مقتبل العمر، وربيب كلّ أنواع التطبيقات والآلات، التي هي أدوات واقعيّة وافتراضيّة تجعلك تسير بسهولة في هذا العالم المدهش، قد مثّل الأصيل، بحسب تسمية المترجم إيلي ابو حرب.
قدّم هذا الكتاب، فائضًا من الأجوبةً، أكثر بكثير من الأسئلة التي مرّت وتمرّ في عقل “الأصيل” و”الدّخيل”. وعلى الرغم من الأسئلة الصعبة التي تراود كلّ قارئ، ففصول الكتاب الثمانية مع الخاتمة، تضعك أمام أجوبة أصعب من الأسئلة، لأنّ كلّ سؤال عن المجال الرقمي إجابته تصل إلى حدود الإعجاز، كون الجواب الشافي ينبع من صلب هذا المجال الافتراضي على الرغم من ثقافة المتحاورين.
هذا الكتاب، هو نوع من أنواع الكتب الحواريّة، الذي يصل بك إلى حدود الدهشة، وبخاصة إذا كنت من جيل ما قبل العالم الرقمي، أي “دخيل” على هذا العالم، فلا تركن إلى الطمأنينة، وتذهب بك الحوارات إلى نوع من أنواع القلق العميق على أسس تربويّة ومبادئ أخلاقيّة، لا يراعيها هذا الأنموذج الصاخب بكلّ ما يحتويه. فإذا قرأت فصلًا من فصول هذا المؤلّف، دخلت طوعًا إلى فصل آخر لما يوجد في سابقه من إثارة ودهشة. ولا تتوّقف عن القراءة قبل أن تُطبق الغلاف على المضمون الكانز.
إنّ كلّ جهاز تكنولوجيّ يتعامل بلغة الواحد والصفر، هو مصدر مفهوم للأجهزة الرقميّة، حيث يتم إطلاق هذا المصطلح على كلّ الأجهزة التي تطبّق لغة الحاسوب مثل: الهواتف الذكيّة، التلفزيون الرقمي، أجهزة الكمبيوتر والكاميرات والآلات الحاسبة… فقد غيّر العالم الرقمي أو عالم الديجيتال حياتنا بسرعة، من خلال دمج البيانات والنظم اللوغاريتميّة الافتراضيّة بأعمالنا وعلاقاتنا الاجتماعيّة. وكان الحوار الذي جرى بين إسكندر نجّار وابنه في صلب هذا التغيّير.
لم تنفصل الحرّيّة يومًا عن العقلانيّة بوصفها أداة للمعرفة، وأسلوبًا في التفكير وطريقة في إدراك العالم والكون على السواء. فإذا كانت الحرّيّة مرادفة للمسؤوليّة، وأساسًا منطقيًا لها، فالإيمان بالحرّيّة هو الإيمان بالعقلانيّة. والفعل الحرّ هو فعل يقترن بالمسؤوليّة الوجوديّة من ناحية، والأسس المنطقيّة للفعل الاجتماعي. فكيف يحلّ الروبوت محلّ الإنسان، وهل تشعر هذه الآلة بالأحاسيس الصادقة أم بتلك المعلّبة على قياس التواصل؟ فقد جاء في الصفحتين 108 و109 من الكتاب الآتي: “…وأنّ أرفع ذكاء اصطناعي يَقصُرُ ذكاءً عن الهرّ الذي يحتوي جسمه على 760 مِليون خليّة عصبيّة وأنّ أفضل مساعد شخصيّ آليّ (يضُلُّ طريقه) بعد إجابات سِتّ، الروبوت ليس حرًّا وليس مسؤولًا”. ففي مثل هذه الحالة على من تقع المسؤوليّة في حال الخلل، هل على الروبوت أم على مشغّله الذي هو أقل إدراكًا منه؟
وضع هذا الحوار حول الثورة الرقميّة والذكاء الاصطناعي، كلّ خمسينيّ وريث جيل سالف، لكنّه يملك حدًّا أدنى من المعرفة في مجال استعمال التقنيّات الحديثة، وضعه على الحدّ الرهيف بين ألعاب الماضي وألعاب الحاضر. وهنا مقتطف من حديث راي نجّار الشاب العشرينيّ ردًّا على والده، والذي ورد في الصفحة 15 من الكتاب: “كان عمري 5 سنوات، نعم، عندما بدأت اللعب على جهاز الكمبيوتر الخاص بك. حينها كانت ألعابًا تربويّة. ثمّ انتشرت الإنترنيت والآيفون والبلاي ستايشن على نطاق واسع لدرجة أنّها أصبحت أدوات مألوفة، لم يعد بالإمكان الاستغناء عنها. لقد ترعرعت وسط هذه البيئة الرّقميّة والآن فإنني أتساءل كيف تدبّرت أمورك عندما كنت في سنّي من دون كلّ هذا؟”.
إنّ ترداد صدى الذكريات، يضعنا في صراع بين الماضي والحاضر. فالمستقبل الذي نجهل هو لغة مبهمة لا نفقه معناها، أو نجرؤ على فك طلاسمها، هل هذا خوفًا من معانقة المجهول؟ فلا سبيل للوصل إلى معادلة التوازن بين الرغبات الشخصيّة كالقراءة مثلًا والواقع الرقمي المعيوش. لهذه الأسباب جميعًا، يصبح عقل الدخيل في منطقة رماديّة، يكاد لا يفقه ألية التحرك وطريقة إيجاد أسس وبنى سليمة للقراءة الرقميّة، هو المعتاد على القراءة الورقيّة. فهل هذا صراع بين الحرف والرقم؟:
“إسكندر: كان لديّ الكتب، وكنت أقرأ كتابًا كل يوم!
راي: (متفاجئًا): كتاب كلّ يوم؟ حقًا. ألم يكن لديك شيء آخر تفعله؟” (صفحة 16)
يكاد المراقب في عصرنا الحالي، يقف مشدوهًا أمام ثنائيّة الثقافة الذاتيّة التي هي حصيلة القراءة والأبحاث، وقد راكمت المعلومات والصور الأدبيّة في العقول من دون وجود بنك رقمي لحفظ هذه المعطيات، وأمام الثقافة الرقميّة التي تعتمد على اساليب بعيدة عن الجهد الشخصيّ وتمتاز بشموليتها وملكيتها من جميع الأصيلين. فالثقافة المتأتية من القراءة والأبحاث، هي حضور للوعي الذي ينبعث دومًا من الأنا الخاصّة، بعد أن تكون قد أُشبعت بهوام القراءة المتأنية، وأَفردت لذاتها متعة مقارعة الأفكار الدخيلة أو المؤثرات الخارجيّة بكثير من الشجاعة والنديّة. خلافًا للثقافة الرقميّة التي تشبه التصابي على العقل الذي أوجدها، بقدر ما هي امتثال لارتكاز وارتكاس العقل غير النابض بتصورات ذاتيّة المنحى، ممن يولّد رؤى في عصف أزهان تتبع جملة من المعطيات المشرعنة مع مدلولاتها مع واقع الحال، بلمسة من قواعد مفروضة من قبل تجار الأرقام. فقد ورد عن لسان نجّار الأب في الصفحة 22: “بعضٌ من التواضع من فضلك! عندما كنت أقوم بتدريس القانون في الجامعة، كان معظم زملائك يتابعون المحاضرة بتشتّت. بينما هواتفهم الذكيّة في أيديهم. كلّ عشر دقائق، كان عليّ أن أجد حيلة لجذب انتباههم وإذا ما طلبت منهم كتابة بحثٍ أو عرضٍ، كانوا يكتفون بالنسخ واللصق. علمًا أنّ ثمة برمجات لتعقّب (السرقات) من هذا النوع! فلنكن صريحين: ثقافتكم سطحيّة؛ وتستهلكون الأخبار مثل الوجبات السريعة، من دون التعمّق بالأمور…”
تكاد تكون الثورة الرقمية فضاءً رحبًا لفعل اللعب والمثاقفة بأنماط دمويّة عنفيّة، وفقًا للحوار الذي جرى خلال الكتاب، والواقع المأزوم الذي وصّفه هذا الحوار. فالوحدة التي تفرضها ألعاب أدوات الرقمنة، تجعل الخروج من حركيّة الحياة بأشكالها كافّة واقعًا صعب اكتنافه، وتجعل الأصيل والدخيل يتقوقعان في زاوية التلقي المفروض في تشييئ حاد لإنسانيّة الإنسان، وفي سلبٍ خبيث لفضيلة العقل الجماعي، فالخلط المسموم بين القدرة الذاتيّة على التفكير والتلقي المعلّب، يوشك أن يكون صبغة المال التي ترتدي أثوابًا متعدّدة لجوهر واحد، ألا هو توليد الرعب والرهاب، والابتعاد عن الإبداع والإيمان. فقد ورد في الصفحة 32 عن لسان نجّار الابن: “ماذا عنك؟ ألم تكن تلعب لساعات بدمى الجنود من البلاستيك أو تمارس رياضة كرة الطاولة، ما الذي كانت تمنحك إيّاه تلك الألعاب؟ لا شيء إنّها عديمة الفائدة عدا كونها غبيّة!” وفي ردٍ على أبيه عندما قال: “إنّ ألعاب الفيديو تُشجّع الشباب على الانزواء في منازلهم وأن يصبحوا وحيدين”، قال راي: “هذا ليس بصحيح! نحن نلعب عبر الإنترنيت مع الأصدقاء، ونعلّق على اللعبة مباشرة ونستمتع بوقتنا. لعبة فورتنايت، على سبيل المثال، تمكّننا من اللعب كفريق، والهدف هو أن نصمد للنهاية وننجو. فهذه اللعبة تّشجّع التآزر والتضامن المتبادلين، بينما لا تتيح القراءة أيّ تواصل: إنّها الفعل الأحادي بامتياز”. فعلى قارئ هذا الكتاب أن يميّز بين التآزر والتضامن الافتراضيين، وبين الاندماج الكلي في كتاب بحثي أو روائيّ.
في هذا الحوار، تساوى الكتاب مع ألعاب الفيديو في توليد الكراهية، وتحوّلها من الإفتراضي إلى الواقعي. في الصفحة 48 من الكتاب عرض اسكند نجّار الكراهيّة المكتسبة من هذه الألعاب بشكل واضح: “…إنّ المصالح المعنيّة من الأهميّة بمكان بحيث يتطلّب الأمر الكثير من الشجاعة لحظر أو حتى إعادة التفكير بهذه الألعاب التي تزرع الكراهية وتُسّخّف القتل. هل من الضروري أن تُرتكب مذابح جديدة على غرار المجازر الافتراضيّة، لكي نعي وندرك في نهاية المطاف حجم الخطر؟”. فكان رد ابنه على الشكل التالي: “أنت دائم المبالغة! لا يمكننا تحميل ألعاب الفيديو مسؤوليّة كلّ الجرائم! إنّ أكبر عمل إرهابيٍّ في السنوات الأخيرة هو الذي ضرب البرجين التوأميّن في نيويورك في 11أيلول/ سبتمبر 2001، حيث صدمت طائرتان عمدًا برجي مركز التجارة العالمي. قرأت في مكان ما أنّ سيناريو هذه المذبحة البغيضة لم يُستوحَ من لعبة فيديو، إنّما من… كتاب!”
في الصفحة 55 من الكتاب عرض راي القدرات الهائلة والخدمات المتعددة للتطبيقات الحديثة: فايسبوك ومنصّة يوتيوب وواتساب وفايبر وميسنجر وسناب شات وسكايب وتويتر وتيك توك ولينكد إن وغوغل الذي يبقى أداة بحث استثنائيّة: “…تويتر، الذي يعرض تعليقاتنا وأمزجتنا من خلال رسائله النصيّة بحد أقصى 280 حرفًا، وكذلك وجهات نظر المشاهير والسياسيّين، على غرار دونالد ترامب الذي تربّع كأستاذ (ديبلوماسيّة التغريدات)”.
عندما نقرأ في الصفحة 56: “… وإذا ما صادفنا أحد المشاهير، هل أجمل من صورة سيلفي لتأبيد تلك الّحظة؟ إنّه لأمر طبيعيٌ!”، تحضرنا الحملات الانتخابيّة، التي كان يجريها تيار المستقبل، للفوز بأغلبيّة المقاعد في المجلس النيابي الّلبناني المخصّصة للطائفة السنيّة. فإذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أستاذ ديبلوماسيّة التغريدات، فالشيخ سعد الحريري تربّع على عرش ملك “السلفي”. وبحسب المقولة الّلبنانيّة المحليّة: “ما حدا أحسن من حدا، أو إنتوا بتحبّوا الأجانب”.
وكانت شموليّة الكتاب، في عرض معظم المشاكل التي أوجدتها الثورة الرقميّة، من “صراع الأجيال” و”ألعاب الأشرار” و”الإرهاب وألعاب الفيديو” و”الشرخ الرقمي” و”الجريمة السيبرانيّة” و”موت الكتاب الورقي”… لكن في المقابل، عرض الفوائد الناتجة عن الثورة الرقميّة التي جعلت العلم متطورًا، والطب متقدّمًا، والحصول على المعلومات متاحًا في أي وقت من الأوقات، والاقتصاد متينًا لكن على حساب اليد العاملة… وكانت وجهات النظر بين الأب والابن خلال الحوار تترجّح بين التطابق والتباين، وقد ساد الخلاف على مجمل الأمور في أغلب محطات هذا الحوار.
هل من حقٍ أن نرى من جديد، انهيار منظومة القيم الأخلاقيّة على مساحة الكوكب الأخضر يحاول الدخول إلى كل صالون، ومخدع وحفل ثقافي. فالاحتراب المجتمعي الافتراضي، والجنوح نحو شريعة الغاب بدّدا آخر قلاع المبادئ الناظمة للعلاقات الاجتماعيّة، آخذين في طريقهما أي بارقة أمل في إعادة الروح الساميّة لدى البشر. فمن خارج الكتاب نقع على العديد من النصوص الالكترونيّة والورقية التي تتحدّث عن هذا الأمر، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ما كتبته الصّحافيّة فاطمة عبدالله Fatima Abdallah على صفحتها الفايسبوكيّة: “في هذا الزمن، لا أحد بحاجة إلى محكمة، الناس تفتح هواتفها وتبدأ التنفيذ. يكفي أن يسقط أحدهم، حتى تتهافت الكاميرات وتسلّط عليه، لتكبير الألم، وتكثيفه. لجعله مشهدًا صالحًا للاستعمال الجماعي”.
