بين الكلمة والريشة والإزميل والميكروفون ، نسج مسيرةً تتّسع لقرنٍ من الأسئلة، و كأنه يعيش أكثر من حياة في حياة واحدة.
في هذا الحوار الذي أجرته الأستاذة رحاب هاني خطار لموقع نادي الكتاب اللبناني ، نقترب من تلك الروح التي تعرف أن تقيم في “الفي” بهدوء فيروز ، كما تعرف كيف تُغري الشمس فتضعها سوارًا في يدها.
سألناه عن التعدّد، عن الذاكرة، عن الشعر، عن التراث و عن لبنان…
فأجاب بصوتٍ يشبهه:صادق، عميق و ممتلئ بالمحبّة والدهشة.
رحاب هاني: أستاذ جوزيف، قلتَ يومًا بتواضع الكبار: «قاعد بالفي»… وكأن فيروز تهمس في الخلفية: «تعا نقعد بالفي… مش لحدا هالفي». بين هذا «الفي» الهادئ و«ضوء» المسرح الساطع، أين يجد المبدع توازنه؟ وهل يحتاج للاختباء في الظل ليصنع عمقًا يجبر الضوء على تتبّعه لاحقًا؟
الشاعر جوزيف ابي ضاهر:منذ وعيت الحياة، رأيت ظلّي رفيقي. لم يغدر بي. حاولت الشمس أن تغريه، فما سقط… والأصح: ما ابتعد عنّي.
حافظتُ قدر ما أوتيت على التوازن: للعقل الدور الأساس، وللقلب مشاركة فاعلة، وللمعرفة ـ التي دخلتُ إليها من باب ضيّق ـ قدرة مكّنتني من اكتشاف ما أعطي لي. أخذته، وحاولت أن أضيف من شغفي، ليأتي الحب من العقل أولًا، فيرتاح القلب وترتاح العين… ولتتولّى الموهبة صياغةً قد تغري الشمس فتضيفها سوارًا إلى يدها.
ما هربتُ من مواجهة يومًا. سعيت، وما زلت، أشدّ على همّتي: الوقت ليس للفراغ، وعليّ أن أكمل، قدر استطاعتي، العمل الذي خُصّص لي في أكثر من مجال وحقل… أمّا النتيجة، فلستُ أنا من يقرّرها.
رحاب هاني: أنت شاعر، صحافي، رسّام، نحّات، كاتب مسرح، وذاكرة إذاعيّة… هل كان هذا التعدّد ضرورة، أم بحثًا دائمًا عن شكل جديد للتعبير؟
الشاعر جوزيف ابي ضاهر:الأبواب مشرّعة، وعلى «الرغبة» أولًا أن تسعى إلى ما ترغب به.
لم أقف أمامها حائرًا… أحييتها فيَّ، ومنحتها مشاعري وحواسي ومعارفي وتجارب حياتي المتعدّدة الوجوه. فمدّت إليّ يدًا كاملة، وقدّمت لي من المقدرة ما يليق بالشغف.
الشمس مع الوقت صارت قبّعةً لي… ما تركتها معلّقة بين الغيوم. تابعت المشوار ـ المخصّص لي، ربّما قبل أن أولد ـ برهبة واحترام. ما جلستُ في ظلّ أحد، وما مددتُ يدًا ترتجف. كانت يدي ممسكةً بقلمي، وما ابتعد قلمي يومًا عن العقل والمشاعر والقلب… وعن المعرفة التي ما زلت أسعى إليها وأسألها من دون خجل عن كلّ إضافة تفرض عليّ أن آخذ بها لأكمل مهمّتي وموهبتي.
بين المواهب التي وُهِبتُها، حاولتُ أن أزاوج بينها عن حبّ ومعرفة، بلا غيرة ولا صراع. والنتيجة لمستُها عبر مسيرة تجاوزت نصف قرن في قطاعات متعدّدة، لا أفصل بينها، بل أجعلها أبوابًا واسعة أدخل إليها ومعي شغفي الكثير.
رحاب هاني:بين الزجل، الشعر الحر، المقالة، الحكاية والمسرحية… أين وجدت صوتك الحقيقي؟
الشاعر جوزيف ابي ضاهر:ما فتّشت يومًا عن شيء أُعطي لي لأمتلكه فقط. حاولت أن أضيف إليه، أن أطوّره، أن أجعله هدفًا، وكنت بكليّتي أنشدّ إلى أي عمل أختاره. فالنجاح يفرض ذاته حين نعطيه من المعرفة وسع الشغف.
ما أضعتُ صوتي ولا وجهي، ولا شتّتتُ عشقي بين عمل وآخر.
عملت بالشغف ذاته بين الكلمة والريشة والأزميل، سعيًا إلى إضافة جمال في الشكل والتعبير والأسلوب. قد أكون وُفّقت، وقد لا أكون… الزمن يحدّد.
أنا أعمل… لن أقف مكاني، ولا في ظلّي متفرجًا أو مصفّقًا للهواء الراكض خلف أوراق اليابس.
رحاب هاني: في الإذاعة قدّمت نحو 3000 حلقة. هل يتحوّل الصوت حين يُطلق في الهواء إلى ذاكرة جماعية؟
الشاعر جوزيف ابي ضاهر:ليس للصوت ذاكرة. الذاكرة خزانة تتجمّع فيها الأعمال على اختلافها؛ بعضها يخرج إلى الضوء أكثر من غيره، وكثير منها «تتناساه» الأيام التي تتطلّع دائمًا إلى الجديد.
الطريق واسعة وطويلة، والغاية من الفعل قد لا تبقى غاية، بل محطة ينتظر فيها راكب واحد مركبة الشمس.
الرقم يسقط، ويصير مجرّد رقم، إذا لم تكن المادة تستحق الحياة.
رحاب هاني: هل يحتاج الشاعر إلى عاصفة ليكتب، أم تولد القصيدة من لحظة سكون لا يسمعها إلا قلبه؟
الشاعر جوزيف ابي ضاهر:الشعر لا يولد في حدائق الزهر كما يُظن. والشاعر لا يعرف سكونًا إذا أدركه الحبّ والعشق والشوق والجمالات… تلك التي لا تظهر على وجهه إذا كان قلبه قد امتلك عقله.
دفاتره وسط الثلج تبعث فيها حرارة شمس آب. فلا يعود يعرف: هل هو الذي يكتب؟ من يكتب؟ ولمن يكتب؟
الشعر كالفَرَح وكالحزن… نَحسّه. ويا حظّ من استطاع أن يرسم ملامحه في عقله قبل أن ينقله إلى بياض الورق.
رحاب هاني: لبنان حاضر في أعمالك كلّها. هل الوطن ما زال ممكنًا كشعر، أم أصبح حنينًا يُكتب كي لا يُمحى؟
الشاعر جوزيف ابي ضاهر:لا أعرف تحديدًا للحب حين يتحوّل إلى حنين… وهل وُجد الحب من دون حنين؟
رحاب هاني:عند كتابة التراث، أتفعل ذلك خوفًا من ضياعه، أم وفاءً لما أعطاك؟
الشاعر جوزيف ابي ضاهر:الضياع يكون عند الاختفاء. أمّا الوفاء فليس مبادلة، والمقاسات لا تحدّد المشاعر ولا نبض القلوب.
أكتب بعض الملامح من تاريخي الإنساني… ولا أعرف خوفًا يستطيع أن يطفئ نور الشمس.
رحاب هاني:عند رسم وجه أو نحت شخص، ما الذي تراه أولًا: ملامحه أم روحه؟
الشاعر جوزيف ابي ضاهر:لم أفكّر بهذا الأمر مرّة. ولا رأيت وجهًا بلا روح.
أنا لا أستطيع أن أرسم الهواء… ولو حاولت، لضربني الغيم على أصابعي قائلاً: مهلاً، لا تقترب منّي أكثر.
رحاب هاني: كتبتَ للأطفال وللكبار. هل الكتابة للأطفال أصعب لصراحتهم، أم أسهل لانفتاح قلوبهم؟
الشاعر جوزيف ابي صاهر:ليتني أعرف. حين كتبت لهم، مشيت إليهم، ولعبت معهم، وأنا لم أكبر أمامهم.
ويا حظّ من يستطيع أن يعيد الطفل إلى قلبه… ولا يدعه يخرج وحده للّعب في الشمس.
رحاب هاني: أمام كل هذه التجارب، ما يقلقك اليوم أكثر: ضياع اللغة أم الإنسان؟ وأين نبدأ بالإنقاذ؟
الشاعر جوزيف ابي ضاهر: وهل يستطيع الجواب أن يوضّح القلق، أو يحدّده، أو يرسم له مستقبلًا واضحًا؟
أنا أعجز عن ذلك!
رحاب هاني: بصفتك صحافيًا مخضرمًا، كيف ترى علاقة الكلمة بالحقيقة؟
الشاعر جوزيف ابي ضاهر:المفاهيم تغيّرت، العالم تغيّر، التطلّعات تغيّرت، ودور الكلمة تغيّر…
هل من أحد يعرف كيف سيأتي الغيب، وبأي شكل، وبأي ثياب ومفاهيم وأدوار؟
السؤال شدّني إلى الغيم… وإلى الغيب.
رحاب هاني:كيف يوازن الفنان بين إرث العمر وطفولة الروح؟
الشاعر جوزيف ابي ضاهرما زلت في طفولتي… ولم أرث شيئاً.
- التراث الروحي و علاقته بالعبور - مارس 26, 2026
- بين منقوشةٍ و كتاب…ولد أديبٌ من جوع آخر - مارس 25, 2026
- نافذة الأمل … والحنين إلى علما الشعب - مارس 14, 2026
