بقلم رحاب هاني
تعيش اللغة اليوم حالة توتّرٍ هادئ، كأنها رئةٌ تُطالَب بأن تتنفّس في فضاءٍ سريع الاستهلاك. بين قلق الأكاديميين عليها، وهشاشة مستهلكيها، يتشكّل صراعٌ غير معلن، يطال وظيفة اللغة أكثر مما يطال شكلها.
ينطلق قلق الأكاديميين من ملاحظة تحوّلات ملموسة في الاستعمال اليومي. ففي وسائل التواصل الاجتماعي، تُختصر جمل كاملة بإيموجي واحد، وتُستبدل الحالات الشعورية المركّبة برمز جاهز، ما يقلّص مساحة التعبير اللغوي لصالح إشارة سريعة. كما تنتشر الكتابة المهجّنة بين أحرف وأرقام، لا بوصفها اختيارًا أسلوبيًا، بل كلغة افتراضية سائدة، تُنتج تواصلًا مفهومًا لحظيًا، لكنه غير قابل للتراكم أو التثبيت.
في المجال التعليمي، تظهر الظاهرة بشكلٍ أكثر حساسية. تُسجَّل ملاحظات عن تراجع القدرة على بناء جملة طويلة أو صياغة فكرة متسلسلة، مقابل الاعتماد على نقاط مختصرة، أو إجابات مقتضبة تشبه الرسائل السريعة. في بعض البيئات التعليمية، بات الطالب قادرًا على فهم المحتوى، لكنه يعجز عن التعبير عنه لغويًا، وكأن الفهم انفصل عن اللغة التي يُفترض أن تحمله.
في المقابل، يتعامل المستهلك اللغوي مع هذه التحوّلات بوصفها جزءًا من منطق العصر. وسائل التواصل تفرض إيقاعًا لا يحتمل التفصيل، والتعليم نفسه يتكيّف مع هذا الإيقاع عبر منصّات سريعة، ومحتوى مُجزّأ، واختبارات تفضّل الاختيار على الشرح. هنا لا تُقصى اللغة عمدًا، بل تُعاد صياغتها بما يناسب السرعة والوظيفة.
يتحوّل النقد الأكاديمي، في هذا السياق، إلى صوتٍ يصف الظاهرة أكثر مما يغيّر مسارها، فيما يتحوّل الاستهلاك الواسع إلى ممارسة لغوية كثيفة، لكن قليلة العمق. تتكاثر الكلمات، تقلّ المسافات بينها، ويبهت المعنى دون أن يختفي تمامًا.
ليست المشكلة في تطوّر اللغة، بل في تفريغها من عمقها. فحين تضعف قدرتها على التعبير، تضعف معها قدرتها على التفكير والتأثير. واللغة، في جوهرها، ليست ملكًا لأحد، بل رئة المجتمع؛ إذا ضاق نَفَسها، ضاق الوعي.
- التراث الروحي و علاقته بالعبور - مارس 26, 2026
- بين منقوشةٍ و كتاب…ولد أديبٌ من جوع آخر - مارس 25, 2026
- نافذة الأمل … والحنين إلى علما الشعب - مارس 14, 2026
