تطلّ الشاعرة في هذا الحوار الذي أجرته الأستاذة رحاب هاني خطار بهدوءٍ وصدق، كاشفةً عن ملامح تجربتها الأدبية والإنسانية التي تشكّلت بين الكلمة والحياة، وبين الحب والحنين. حوارٌ يقترب من جوهر الكتابة، ويضيء محطاتٍ أساسية في مسيرتها، حيث تظلّ الكلمة فعلَ إيمانٍ ومسؤوليّة، لا مجرّد تعبير
أكتب لأرفع صوت الحق في زمن التسويات.
- كيف تعرّفين نفسكِ اليوم، بعد هذا المسار الأدبي والإنساني المتنوّع الذي قطعته؟
عاشقةٌ للشعر، ورفيقةُ الكلمة التي تنبع من القلب. أكتب لأرفع صوت الحق في زمن التسويات، ومتمسّكة بمبادئي وقناعاتي أكثر مع كلّ يوم. مؤمنةٌ بالحب وبالمعجزات، وصديقةٌ للمغامرين. - كيف بدأت علاقتكِ بالشعر؟ وهل ما زالت تلك الشرارة الأولى حاضرة في كتابتكِ اليوم؟
بدأت باكرًا جدًا، حين عبّرتُ عن نفسي بكلماتٍ فاجأت الجميع وأسعدتني في آن. وحتى اليوم، لا أكتب لملء الصفحات؛ فالشرارة التي توقد حبري لا تفارقني، لأنها تثق بجنوني وجرأتي وصدقي. - يبرز الحب والحنين بوضوح في نصوصكِ، كيف تتجسّد هاتان القيمتان في تجربتكِ الشعرية؟
الحب هو المَعين الذي أغرف منه قصائدي؛ فأنا لا أتحايل على المعاني إرضاءً للورق أو للتصفيق، بل أسعى إلى نصوص شفافة، صادقة، وأمينة. أمّا الحنين فهو رفيق الحالمين، وأنا منهم؛ أحنّ إلى الطفولة، إلى نفسي في زمنٍ آخر، وإلى بيروت التي لم أعرفها قبل ولادتي. الحب والحنين توأما مسيرتي. - تنقّلتِ بين الشعر والسيرة والنصوص الأدبية، كيف تختارين الشكل الأنسب للفكرة قبل أن تتحوّل إلى نص؟
الفكرة تختار حضورها عندي؛ لا أذكر أنّي قصدتُ يومًا توزيع الأدوار. بعض الأفكار لا تُقال إلّا شعرًا، وأخرى تحتاج النثر، وهكذا أجد نفسي في كلّ مرحلة أمام تجربة جديدة. - ماذا أضاف لكِ كتاب «ذكرياتي مع فيروز» على الصعيدين الإنساني والإبداعي؟
هذا الكتاب دقيق التفاصيل، وهو وليد الحنين الذي تحدّثنا عنه، إذ يرتبط إنسانيًا بالكثير من الأشخاص والأماكن واللحظات. أمّا إبداعيًا، فهو عمل فريد ربطتُ فيه كلّ حدث بأغنية من أغاني السيدة فيروز، ما حرّك ذاكرة القرّاء وفتح شهيتهم على استعادة الأيام الخوالي.
لا أتحايل على المعاني إرضاءً للورق
- لديكِ تجربة تربوية طويلة، كيف أثّرت مهنة التعليم في علاقتكِ باللغة، وفي نظرتكِ إلى الكتابة؟
أغنتني مهنة التعليم لغويًا، إذ أبحث دائمًا عن التنوّع لمخاطبة طلاب أرهقتهم الكتب المكرّرة والمواضيع المحدودة. أحاول ملامسة ذائقة هذا الجيل بنصوص تنبض من واقع حياتهم، وهو جهدٌ وإن كان مضنيًا، إلا أنّه يريح ضميري. كما أنّ انغماسي في قواعد لغة الضاد جنّبني الوقوع في الأخطاء القاتلة التي يقع فيها الدخلاء على عالم الكتابة. - قدّمتِ برنامج «أدباء وشعراء» وحاورتِ أسماء بارزة، ماذا علّمكِ هذا الاحتكاك المباشر بالتجارب الثقافية المختلفة؟
برنامج «أدباء وشعراء»، الذي قدّمته لسنوات، أتاح لي التعرّف إلى رائدات وروّاد الكلمة، وخضنا معًا تجربة تبادل الأفكار والتلاقي الثقافي. كان كل لقاء بمثابة سفرٍ على متن الكلمات، أعود منه محمّلةً بزادٍ معرفيّ وثقافيّ. ومن خلالكم، أوجّه تحيّة لكلّ من أغنى هذا البرنامج الذي أعتبره محطةً مميّزة في مسيرتي. - تُرجمت قصائدكِ إلى لغات عدّة؛ ماذا يعني لكِ أن يعبر النص حدود اللغة والثقافة؟
أشكر بدايةً كل من ساهم في ترجمة قصائدي ونقلها إلى لغات أخرى. إنّ عبور النص للغاتٍ وثقافات مختلفة يغني التجربة ويوسّع أفقها، ويمنح القصيدة فرصة الوصول إلى قرّاء عرب ومن جنسيّات متنوّعة. - نلتِ جوائز وتكريمات عربية ودولية، ماذا تمثّل لكِ الجوائز في مسيرة الكاتب؟
الجوائز والتكريمات عربون محبّة من الجهات التي تقدّمها، وهي تفرح كل مجتهد لأنها تشعره بأن عمله لاقى صدىً وتقديرًا. فالشكر لكل من آمن بالكلمة واحتفى بها. - لُقّبتِ بـ«شاعرة الحب» و«شاعرة الياسمين»، هل ترين في الألقاب إنصافًا لتجربتكِ أم تصنيفًا لها؟
الحبّ والياسمين ينصفان الحياة، فكيف لا ينصفانني؟
الألقاب هدايا تحمل الكثير من التقدير، خصوصًا حين تأتي من جهات مسؤولة ومخوّلة. وأنا سعيدة بكل لقبٍ نلته، لأنه كان نابعًا من ثقة، وحمّلني مسؤوليّة أكبر للارتقاء بالكلمة. - كيف ترين موقع المرأة الشاعرة في المشهد الثقافي العربي اليوم؟
المرأة الشاعرة حاضرة بقوّة وثبات في المشهد الثقافي العربي، وكلمتها مثقّفة وتقدّم مادةً شعريّة راقية. تحيّة لكل الزميلات في لبنان والعالم العربي، وأشدّ على أيديهنّ للاستمرار في الإبداع. - ما العلاقة التي تربطكِ بالمكان في كتابتكِ، وخصوصًا قرية مشغرة التي تحضر في نصوصكِ؟
الشاعر ابن كل الأمكنة، لأنه يعرف كيف يصل إلى حيث يأخذه إلهامه. هو طائرٌ حرّ يحطّ في كل أرض عامرة بالحب والصدق والثورة. أمّا مشغرة، قريتي، فهي مكاني الأوّل؛ منها أخذت هويّتي، ومنها انطلقت، وإليها أعود بكل شوق. - ما الرسالة التي تحبّين توجيهها اليوم، عبر هذا الحوار، إلى القرّاء والمهتمّين بالشأن الثقافي، وإلى الأندية والمبادرات التي تعمل على نشر الأدب والسعادة الثقافية في عالم يزداد قسوة؟
أقول لهم: كونوا أمناء على الكلمة وصادقين في نشرها، ولنعمل معًا لرفعة أوطاننا، ولنظلّ سفراء محبّة. لِنبتعد عن الكلام المبتذل الذي يغرقنا في أوحال الجهل، وعن الخطاب العنصري الذي يزيد تشتّتنا.
الكلمة مسؤوليّة، وتحتاج إلى ضمائر حيّة وأقلامٍ شامخة.
Latest posts by Rihab Hani khattar (see all)
- نافذة الأمل … والحنين إلى علما الشعب - مارس 14, 2026
- وللرسالة ..رسلٌ وسبل! - مارس 9, 2026
- أبجديتي - مارس 9, 2026
