في هذه المقابلة، تحاور رحاب هاني خطّار الشاعرة والمحرّرة الثقافية سميرة فاضل غانم، في محاولة للاقتراب من تجربتها الشعرية والإنسانية، حيث لا يُقرأ الشعر بوصفه كتابة جمالية فحسب، بل كفعل وعي ومسؤولية، ومرآة لمرحلةٍ تاريخية تشكّل الذاكرة والهوية.
تفتح هذه الأسئلة نوافذ على مفاهيم الغربة، والانتماء، والكتابة بوصفها رسالة، كما تتناول دور الأندية الثقافية، وفي مقدّمها نادي الكتاب اللبناني، في دعم الحركة الأدبية واحتضان المواهب، ضمن حوار يتقاطع فيه الخاص بالعام، والذاتي بالإنساني.
لا تصدّقي أن هناك وطنًا بديلًا مهما تظاهر كبرياؤنا بذلك.
– متى شعرتِ أن الشعر لم يعد مجرد كتابة، بل أصبح وسيلة لفهم الحياة واستكشافها؟
.حين آمنتُ أن الشاعر، والكاتب عمومًا، مؤتمن على تاريخ مرحلته، وأن الكتابة رسالة يجب أن نعمل على السموّ بها ومعها.
– كيف تسكن الثقافة يومكِ؟ هل هي قراءة مستمرة، أم إحساس يرافقكِ في تفاصيل الحياة اليومية؟
.لأمي الفضل الأكبر عليّ من ناحيتين: الأولى أنها كانت تعشق الشعر وتحفظه، والثانية أنها كانت تُقدّس الكتاب. كنا نمضي سهراتنا وكلٌّ منا تمسك رواية أو كتابًا فلسفيًا، حتى أدمنتُ القراءة. ورغم أن مسؤوليات الحياة تشدّني أحيانًا بعيدًا عن ذاتي، تجدينني في لحظات فراغي ألجأ إلى القراءة لأرتوي بعد عطشٍ، لكن من الجدير بنا الاعتراف أن الحياة بتفاصيلها بحدّ ذاتها كتابٌ كبير، تنطوي فيه أعمارنا بين الغلافين.
– بصفتكِ شاعرة، أمًا وجدة، كيف تغيّر مفهوم الكتابة بعد هذه التجارب العميقة؟ وهل تكتبين من موقع الحماية أم القلق؟
.منذ طفولتي كنت أكتب مشاعري على قصاصات الورق لأمي، وأخوتي، وصديقتي، ومعلمي. لكنني اكتسبتُ من كل مرحلة في حياتي مساحة وعيٍ إنسانيٍّ أشمل. فجميعنا في تفاعلية مستمرة مع الحياة، في بحثٍ دائم عن الذات مع كل تجربة جديدة نمرّ بها؛ فمرّة نكتب قلقًا، ومرّة أملًا، ومرّة بقصد توثيق فكرنا رغبةً في البقاء أطول بعد الغياب الأخير.
– الغربة غالبًا ما تفتح مساحة جديدة للخيال. بعد انتقالكِ من لبنان إلى سوريا، كيف انعكست هذه التجربة على لغتكِ الشعرية؟ وكيف أثّرت على فهمكِ للذات؟
.بهذا السؤال وضعتِ يدكِ على جرحٍ كان الندبة التي ميّزت ملامحي. لا تصدّقي أن هناك وطنًا بديلًا، مهما تظاهر كبرياؤنا بذلك، إذا ما نفتنا أوطاننا أو قادتنا الأقدار إلى ترابٍ بديل. فالشعر كان جنينًا لم يولد إلا في غربتي، التي تعلّمتُ فيها قطف الصبر وتصنيعه قصائد. وقد علّمتني هذه التجربة أيضًا أن الإنسان قادر على خلق عالمه أينما كان.
– هل تشعرين أن المسافة تمنح القصيدة صفاءً وعمقًا، أم أنها أحيانًا تحدّ من حريتها؟
.المسافة تحددها حالة الشاعر؛ فقد يتناول النجوم بخنصريه، أو ينفي ذاته إلى ظلمات المجرّة. وفي الحالتين، يكون عمق القصيدة أو أغلال الكلمات مرتبطًا بمدى جرح الشاعر أو باتساع صدى فرحه.
– حين تكتبين، كيف يمرّ الإحساس بالانتماء في النص الشعري؟
.لأن الشعر هوية، لا بدّ أن تتّسم كلمات كلٍّ منا بوهجه الخاص. وبالمتابعة، تتعرّفين إلى صاحب القصيدة دون قراءة توقيعه، من لغته ومفرداته الخاصة. وفي الانتماء، ترين الأرزة في قصيدة كل شاعر لبناني، وحدّة ملامح الفراعنة في قصيدة كل شاعر مصري، وسمرة التراب في قصيدة كل مغربي.
– الشعر عندكِ، هل هو فعل تأمّل، مساحة نجاة، أم محاولة للتماسك في مواجهة الحياة؟
.هو كلّ ذلك، لأن الكلمة تكتبني قبل أن أكتبها، ولأن الشاعر هو من يتقن المصالحة مع إحساسه في كل الحالات ويكتب من فيضه.
– من موقعكِ كمحررة ثقافية، كيف تنظرين إلى المشهد الشعري العربي اليوم؟ وما الذي يلهمكِ في نصوص الآخرين؟
.أعتقد أن المشهد الشعري بخير، وهذا الفضاء الأزرق أطلق العنان للفكر وأعطاه فسحته التي يستحقها. وحقيقة أننا ننعم عبره بقراءة إبداعات تنحني لها الأقلام، ما يجعلنا نتسامح مع شوائب المستشعرين. أمّا ما يلهمني للكتابة فهو الكلمة المكتوبة بإحساس عميق يصل إلى القارئ ويحرك فيه ما ترسّب من مشاعر كامنة، والصورة المميزة الجديدة المبتدعة.
الحياة بتفاصيلها كتابٌ كبير، تنطوي فيه أعمارنا بين الغلافين
– ما الفارق بين النص الذي تكتبينه لنفسكِ، والنص الذي تخرجينه إلى القارئ؟
.النص الذي أكتبه لنفسي يكون منبثقًا من جرحٍ أو فرحٍ خاص بي، وهذا النوع من البوح ليس للنشر. أمّا ما أكتبه من وجعي على الوطن، أو رفضًا للتقاليد، أو عن حالة اجتماعية عامة، فهو واجب عليّ نشره وإطلاق صوته، لأن الشاعر لسان مجتمعه ومؤتمن على توثيق الحقائق.
– كيف ترسمين فلسفتكِ في الحياة؟
.لكلٍّ منا تجاربه في مسيرة عمره، وتجارب معارفه التي يعايشها، وهي التي تكسبه الخبرة في رؤية الأمور وتشكّل فلسفته الخاصة.
– هل تؤمنين أن الكاتب يرسم خطوط حياته بنفسه، أم أن الحياة تكتبنا ونحن نحاول فهم ما بين السطور؟
.لطالما آمنتُ أن للقدر في الحياة الكلمة الأخيرة، لا ضعفَ إرادةٍ إنما عن تجربة عمر. لكن يستطيع الكاتب أن يحدّد هوية قلمه ويختار منبره، وبذلك يصنع اسمه الخاص. أمّا فرص النجاح والشهرة فللحظّ فيها الدور الأكبر؛ فعلى سبيل المثال، أعرف أقلامًا مدهشة بكل معنى الكلمة لم تنل فرصتها، في حين يحصل غيرها على الوصول إلى حلمه رغم ضعف إمكانياته، بسبب يُسر طريقه إليه.
– بصفتكِ شاعرة ومحررة ثقافية، ما رأيكِ بالأندية الثقافية مثل نادي الكتاب اللبناني؟ وكيف تساهم مثل هذه الأندية في دعم الحركة الأدبية والشعرية؟
.ربما تكون الأندية الثقافية الوسيلة الوحيدة أمام الكثيرين للقاء الفكر ومعرفة صنوف الشعر والأدب؛ لذلك أرى أن لها الدور الأهم في إيصال كلمة من لم يستطع إيصال صوته، وتشجيع فتح النوافذ المغلقة على مواهب قد تكون جميلة ومبدعة، وبالتالي تستحق أن تُعرَف. ومن جهة ثانية، هي مدرسة واسعة للتعلّم من الأدباء والشعراء المتمكنين للهواة والمبتدئين، عدا عن أهمية النشاطات التي تقوم بها هذه الأندية لإشهار بعض الأسماء وكسر حاجز الخوف من المنبر، وأيضًا اللقاء الحي الذي يحفّز المواهب. أمّا نادي الكتاب اللبناني تحديدًا، فأنا أعتزّ بأنني أحد أعضائه، وحقيقةً يتميّز عن غيره بجدّية نشاطاته، ومصداقية الآراء، واجتهاد إدارته وبعض أعضائه الملتزمين بجعله مثالًا رائدًا.
- نافذة الأمل … والحنين إلى علما الشعب - مارس 14, 2026
- وللرسالة ..رسلٌ وسبل! - مارس 9, 2026
- أبجديتي - مارس 9, 2026
