حين ضاق مسار إدارة الأعمال بأسئلتي، قادني شغفي إلى الإعلام، حيث تتحول الكلمة إلى فعل.
١-لو لم تختر العمل الإعلامي، أي مهنة كنت ستتجه إليها؟ وما الذي كان سيجذبك فيها؟
هذا السؤال طرحته عليّ الأستاذة ماغي فرح يوم دخلت إلى ستوديو الفن. في البداية، كان حلمي أن أدرس الطب، لكن الحرب الأهلية حالت دون توجّهي هذا ، فاتجهت لدراسة إدارة الأعمال. لاحقًا، حين ضاق هذا المسار بأسئلتي، قادني الشغف إلى الإعلام، حيث التحقت بتلفزيون المستقبل وخضعت لدورات مكثّفة، شكّلت الأساس الفعلي لدخولي هذا العالم.
٢-في ظل تسارع الخبر وزحمة السبق الصحافي، أين تقف اليوم المعايير المهنية؟ وهل ما زالت قادرة على الصمود؟
في زمن اللهاث وراء السَّبق الصحافي و«السكوب»، أرى أن التفتيش عن الخبر يجب أن يبقى محكومًا بالمصادر الموثوقة، لأن الكلمة غير الموثوقة تُفرغ الإعلام من معناه.
حرية الإعلام قيمة أساسية، لكنها ليست مطلقة بالشكل نفسه في كل مكان، إذ تتأثر بالسياق الجغرافي والسياسي وبطبيعة وسائل الإعلام نفسها. أؤمن أن لا أحد يستطيع أن يضع حدًا حقيقيًا لحرية الإعلام، شرط أن تُمارَس بمسؤولية، وأولها احترام المشاهد واحترام وعيه. منذ خمس سنوات، أقدّم برنامجًا أتناول فيه قضايا ومواد دسمة تمسّ حياة الناس اليومية، بعيدًا عن الاصطفافات السياسية.
نحن وطنيون لا حزبيون، نبحث عن كلمة حق، وعن مصلحة الوطن، لأن ما نريده في النهاية هو وعي جماعي، ونمو حقيقي، وشعب قادر على الدفاع عن نفسه بالمعرفة لا بالشعارات.
٣-ما الخطّ الأحمر الذي لا تقبل بتجاوزه مهما اشتدّت الضغوط المهنية أو السياسية؟
خطّي الأحمر هو ألّا أجرح أُذُنَ المشاهد أو قِيَمَه. قبل أن أنطق بأي كلمة، أفكّر جيدًا فيما سأقوله، لأن الكلمة تصل مباشرة إلى وعي المتلقّي. الحفاظ على الأدب واحترام التربية التي نشأنا عليها جزء لا يتجزّأ من مهنتنا، وما تعلّمناه صغارًا يجب أن يرافقنا كبارًا، ويظهر في أدائنا الإعلامي وسلوكنا الإنساني.
٤-هل ترى أن التحدّي الأكبر في العمل الإعلامي اليوم مهني أم نفسي؟
بالنسبة إليّ، التوازن الذهني والنفسي أمر أساسي في عملي الإعلامي. أحرص على ألا تتأثر كلمتي بالمواقف أو النزاعات، وألا تؤذي المشاهدين. هذا التوازن يبدأ من المنزل: نشأت في عائلة مختلطة تجمع بين القرآن والإنجيل، وقد علمنا والدي الاحترام المتبادل وحب الوطن. التربية التي تلقيتها علمتني أهمية الصبر، الاعتدال، والوعي بالقيم الإنسانية، وهي التي توجه تصرفاتي ومهنتي حتى اليوم.
أيضًا، ذكرياتي مع صديقتي يمنى شري، التي فقدتها، تذكرني دومًا بالوطنية والاعتدال، وبأن المسؤولية عن الآخرين يجب أن تُمارس بحب واحترام. كل هذه القيم تساعدني على الحفاظ على توازن نفسي وذهني أثناء تقديم عملي الإعلامي، بعيدًا عن النزاعات والصراعات التي قد تُشتت التركيز أو تضر بالرسالة التي أريد إيصالها.
٥-هل القلق حالة ملازمة ليوميات الإعلامي، أم شعور عابر تفرضه طبيعة اللحظة؟ وكيف تدير هذا القلق؟
أرى أن القلق ملازم ليوميات الإعلامي، فهو يظهر يوميًا كما يظهر في أي حياة مسؤولة، خصوصًا عندما أفكر بأنني قد أقصر تجاه عائلتي. هذا القلق يمتد أيضًا إلى حرية الإعلام، فالتحدّي ليس في امتلاك الحرية، بل في تطبيقها بشكل مسؤول. أشخاص كثيرون يعيشون في حالة قلق دائم بسبب عدم الاستقرار المالي في لبنان، ومن بينهم مثلاً المودعون الذين يخرجون إلى المظاهرات للتعبير عن حقوقهم، وهم قليلون مقارنة بعدد الناس المتأثرين فعليًا. بالنسبة إليّ، هذا القلق ينبع من السكوت عن قول الحقيقة، لأن معظم الناس لا يتحدثون، وبعضهم فقط يعبّر بصوت عالٍ، وكأن الولد الذي لا يبكي أمه لا تطعمه.
الإعلامي يتحمل هذا القلق لأنه على وعي بواجبه تجاه المجتمع.
خطّي الأحمر هو ألّا أجرح أذن المشاهد أو قيمه.
٦- ما الصورة التي تخشى أن تترسّخ عن لبنان عبر التغطيات الإعلامية، داخليًا وخارجيًا؟
ما أخشاه هو اختزال لبنان بحالة دائمة من الحرب والفقر، وكأن اللبناني محكوم بالمعاناة فقط. الواقع أعمق وأكثر تعقيدًا؛ فرغم الصعوبات، يصرّ اللبناني على الكرم والالتزام، لكنه يصطدم بواقع قاسٍ سببه الفساد، الذي لا يقتصر على سرقة الأموال فحسب، بل يسرق كرامة الناس ومؤسسات الدولة، ويجبر كثيرين من أبنائنا على البحث عن فرص أفضل والهجرة.
هذه الصورة السلبية لا تعكس كل ما يحدث، لذلك من المهم أن يُسمع صوت اللبناني الحقيقي، ويُفهم حجم التحدي اليومي الذي يعيشه المواطن.
٧- إلى أي حدّ يحقّ للإعلامي أن يتأثّر بالواقع من دون أن يفقد توازنه أو ينكسر؟ وهل مررت بلحظة كان فيها هذا التوازن على المحك؟
كإعلامي، لا يمكنني أن أكون محايدًا أمام هذا الواقع، لكن عليّ الحفاظ على توازن كلمتي وضميري. التأثّر طبيعي، لكن الانكسار مرفوض، خاصة عندما تكون العائلة وكرامة أولادي على المحك.
المعركة الحقيقية اليوم ليست بالسلاح، بل بالصوت والكلمة الواعية، التي تحمي الناس وتواجه الظلم يوميًا. الحفاظ على كرامة الإنسان والاهتمام بمستقبل أولادنا هو ما يمنح كل هذه الجهود معناها، ويُساعد على الثبات أمام ضغوط الواقع.
٨- كيف يعيش الإعلامي اللبناني اليوم بين شغفه بالمهنة، وتعلّقه بالوطن، ومتطلّبات العيش في ظل واقع اقتصادي ضاغط؟
الواقع الاقتصادي الضاغط يضيف تحديًا آخر؛ فالماديات قد تُغري البعض وتبعدهم عن كلمة الحق، لكن بالنسبة إليّ، الكلمة التي تدافع عن الحق هي محور كل شيء.
أؤمن بأن كل فرد قادر على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كمنبر للتعبير عن رأيه، شرط أن يعرف ماذا يريد، ويقف عند مطالبه.
٩- ما الكلمة أو الجملة التي قالها لك مشاهد أو متابع وبقيت عالقة في ذاكرتك؟
أكثر ما يلمسني في عملي هو ردود فعل المتابعين. بعد كل حلقة، تصلني رسائل تقول: «فشّيتلنا خلقنا».
هذه العبارة تعني لي الكثير؛ فهي تشير إلى أن الصوت وصل، وأن الناس وجدت من يعبر عن مشاعرها، لكنها أيضًا تذكرني بأن لا أحد سيحارب عن حقك إلا أنت. كل فرد مسؤول عن صوته، والصوت الذي لا يُستخدم يضيع.
١٠- ما السؤال الذي تمنّيت يومًا أن يُطرح عليك ولم يُسأل بعد؟
كنت أتمنى لو سُئلت سؤالًا واحدًا وواضحًا: «شو بدّك؟»
أي، ما هي مطالبك وحقوقك، وماذا تريد كشخص، أو التمسك برأيك بثبات.
كثير من الناس يُعاملون كأرقام أو يُختزلون في صمتهم، بينما التعبير الواضح عن ما يريدونه يحفظ لهم كرامتهم ويؤكد وجودهم وانتماءهم العميق.
أحيانًا يلجأ الإنسان للتعبير عن نفسه عبر الكتابة أو الفن أو الموسيقى، ليعبر عن رفضه أو قبول ما حوله، لكن هذا التعبير لا يغني عن وضوح المطالبة بالحقوق. سواء كان فنانًا، موسيقيًا، إعلاميًا، أو أي شخص آخر، معرفة ما يريدونه والتمسّك به يمنح الصوت وزنًا ويحوّل المطالب إلى موقف حقيقي.
هذا الوعي بالمطالب هو ما يجعل الإنسان صاحب رأي وكرامة وانتماء.
- نافذة الأمل … والحنين إلى علما الشعب - مارس 14, 2026
- وللرسالة ..رسلٌ وسبل! - مارس 9, 2026
- أبجديتي - مارس 9, 2026
