في هذا الحوار الذي أجرته الأستاذة رحاب هاني خطار، يأخذنا الشاعر نزار فرنسيس إلى قلب تجربته الأدبية، حيث تتحوّل الكلمة إلى ضرورة وجودية وليست مجرد تعبير. من أولى خطواته في الشعر، إلى ترجمته المتميزة لمسرحية البؤساء ومقطوعته الشهيرة “صوت المقهورين”، يكشف فرنسيس كيف يتماهى الإبداع مع القيم الشخصية، والمواطنة، والوعي الاجتماعي، ليقدّم رؤية صادقة عن الشعر كملاذ ووسيلة لمواجهة الألم واليأس، دون أن يفقد جمال الكلمة وروحها
“أعتبر الكلمة ضرورة وجودية… وأجدّد نفسي من خلالها، لأن الكلمة تتجدّد
- وسط التعب وضجيج الأيام، ما الشغف الذي لا يهدأ فيك، ويجعلك تعود إلى الكلمة كل صباح؟
أعتبر الكلمة ضرورة وجودية. بيني وبينها صداقة، ووحدة حال، وعِشرة عمر. أراها أمرًا لا بدّ من وجوده، وأجدّد نفسي من خلالها، لأن الكلمة تتجدّد. - متى شعرت للمرة الأولى أن الكلمة ليست مجرّد تعبير، بل قدرة على لمس وجدان الناس؟
تلامس كلمتي وجدان الناس حين أعبّر عن وجعهم، حين أتحدّث عمّا يعجزون عن قوله، وأفصح عمّا في صدورهم. عندما أكتب للناس ما يحبّون قوله ولا يستطيعون التعبير عنه، أكتب بلساني، فيشعرون وكأنهم يقولون: «هذه هي… هذا ما كنّا نفكّر به». عندها أوقن أن الكلمة قد أصابت ولامست من كتبها ومن تلقّاها. يتحقّق لي رضا داخلي، لأنني أكتب عني وعنهم معًا. للكلمة فعل وتأثير لا يقتصر على الوجع أو القهر أو الحزن، بل يمتدّ إلى الفخر والانتصار، وإلى الإحباط وإعادة الأمل. كلمتي كطائر بلا جناح، تدخل بيوت الناس بلا استئذان، وتترك أثرها فيهم. - لو طُلب منك أن تختصر فلسفة حياتك في شعور واحد أو صورة عالقة في الذاكرة، ماذا تختار؟ ولماذا؟
إذا اختصرنا فلسفة حياتي في شعور واحد، فهو شعور الأمل.
الأمل مهم جدًا في الحياة، وشيء لا يجب أن نفقده أبدًا. الإنسان الذي يفقد الأمل يفقد الحياة ذاتها، ويصبح لحياته قيمة قليلة أو بلا معنى. الأمل يمنحنا شعورًا بأن هناك غدًا أفضل، وأن الأفضل ممكن دائمًا.
الصورة التي أحتفظ بها في ذاكرتي تعود إلى أول مرة كتبت فيها شعرًا، حين تفاجأت بنفسي أنني قادرة على نسج أبيات متماسكة. كنت في الثانية عشرة من عمري، وكتابة الشعر جاءت نتيجة حرماني من المشاركة في مسابقة مدرسية لإلقاء الشعر، حيث اختاروا غيري بدلًا عني. لكنّي أصريت على المشاركة، وكتبت الأبيات التي ألقيتها، وكانت هذه التجربة جزءًا من قصة تحوّل في حياتي. تلك اللحظة كانت بداية اعتمادي على الشعر لتطوير نفسي وتجديدها باستمرار، والأمل والطموح والابتسامة والرجاء كلها طريق نحو النجاح، وإيمان بأن لكل شيء معنى وله أثر يمكن أن يغيّر حياتنا. - القلق حاضر بقوة في تجربة الشاعر. كيف تعيش هذا القلق في داخلك؟
لا أملك القلق بالمعنى المتعارف عليه، بل أملك انتباهًا وحرصًا على عملي كي أحافظ على نوعيّته. لديّ اسمٌ تعبتُ عليه، وهذا ما يجعلني أكثر وعيًا بما أقدّمه، لا أكثر قلقًا. ما أشعر به هو صحو في التعاطي مع الإنجاز، وانتباه لما وصلتُ إليه بعد تعب، وحرص على أشياء أحبّها وأرغب في الحفاظ عليها. القلق في نظري ضعف، والإنسان مطالب بالمبادرة لمنعه قبل أن يتمكّن منه، عبر التركيز على الأفضل دائمًا. - هل ترى الشعر ملاذًا شخصيًا أم شكلًا من أشكال المقاومة؟ وكيف يمكن للكلمة أن تواجه الألم واليأس دون أن تفقد جمالها؟
الشعر ملاذ شخصي أكيد. أفرح حين تكون في رأسي فكرة وأستطيع ترجمتها شعرًا، خصوصًا عندما لا تعنيني وحدي، بل تمسّ الناس جميعًا. لديّ كتابات كثيرة أؤمن بأنها تعني الناس، وما يحمل نفعًا للآخرين عبر الإبداع هو أمر جميل.
لا أكتب لمجرّد الكتابة، ولا للتعبير العابر أو لتوقيع القصائد. وصلتُ إلى مرحلة صرتُ أفرح فيها كلّما اتّسع أثر ما أكتب. الشعر الذي لا يترك أثرًا لا يبقى، أمّا الشعر الذي ينفع الناس فهو الذي يعرّفهم أكثر على صاحبه. الكلمة لا تفقد جمالها ما دامت حيّة في يوميّات الناس، والكلمة التي تعيش أطول هي تلك التي وُضعت في مكانها الصحيح.
الشعر الذي لا يترك أثرًا لا يبقى… الكلمة لا تفقد جمالها ما دامت حيّة في يوميّات الناس.
- أمام هذا الصراع الداخلي والخارجي، ما القيم التي ترفض التخلّي عنها مهما تزعزع كل شيء من حولك؟ وكيف يحميك الشعر من الانكسار؟
القيم التي لا أتخلّى عنها تبدأ من إيماني، من العلاقة العمودية بين الإنسان والخالق، ثم العلاقة الأفقية بين الإنسان والإنسان. هاتان العلاقتان تعنيان لي الكثير. أحبّ أن أتواصل مع الناس وأكون قريبًا منهم، لأن هذا القرب جزء من إنسانيتي.
من هنا يبدأ الانتماء: إلى الأرض، إلى الوطن، إلى المجتمع، وإلى الثقافة التي تربّينا عليها. الحفاظ على هويتنا وحضارتنا أمر أساسي، لأن الإبداع هو حضارة الشعوب والفنون هي الوجه المشرق لهذه الحضارات.
من يملك إيمانًا وثقة بالله لا يعرف الانكسار الحقيقي؛ حتى إن تعثّر أو خسر، يبقى لديه أمل بالوقوف من جديد والاستمرار في الحياة. أحبّ أن يكون من حولي، وخصوصًا المقرّبون، يشبهونني في هذه القيم، لأن التعامل يصبح أسهل، والجوّ الذي أعيش فيه يكون أقرب إلى روحي وما أريده لنفسي.
7-لبنان حاضر دائمًا في وجدان مبدعيه. كيف تقرأ أحلام اللبنانيين المبتورة، تلك التي انكسرت أو تآكلت تحت وطأة الفقر والفساد؟
أحلام اللبنانيين، كما رأيتها من زمن،كانت تتجه نحو الانتثار ثم البتر.
كمواطن لبناني، كانت لديّ رؤية مبكرة. منذ اللحظة التي كتبتُ فيها للموسيقار الراحل ملحم بركات وقلت: «بدنا حريق»، أدركت أن شعبًا لا يعرف قيمة النعمة التي أُعطيت له، لا يُحسن الحفاظ عليها.
لم يكن الكلام رغبة في الخراب، بل صرخة تحذير. ومع ذلك، قامت القيامة علينا، وعاتبونا وغضبوا. فاعتذرتُ من بلدي، لا عن الفكرة، بل عن قسوة التعبير. مرّت السنوات، وبقينا في الأزمة نفسها.
بعد أربع سنوات، كتبتُ إلى شمس الأغنية اللبنانية نجوى كرم، على وجع الناس وقهرهم، وعلى أحلامهم المهددة بالبتر، كما في أغنية «ينقبروا هني يفِلّوا». لم يُصغِ أحد. اعترض المسؤولون، والناس لم تسمع.
ثم جاءت أغنية «طار البلد»، وكنتُ أعرف أن البلد سيطير قبل وقوع ذلك بثمانية أشهر. وهنا السؤال القاسي: كيف لمواطن أن يرى الخطر، ولا يراه المسؤول الذي موقعه أن يحمي البلد؟
أنا قلت قصتي على العلن، وسأبقى أكتب وأُعبّر وأقول رأيي، لا لأبرّئ نفسي، بل كي لا أكون شريكًا بالصمت. في موقعي كمواطن أولاً، عليّ أن أقول الحقيقة، وأن أُسمّي الخطأ. وعلى طريقتي، كشاعر، أقولها شعرًا أو أغنية.
ومع ذلك، لا أملك قلة أمل. أحاول، وأتعثر، وأعود أحاول. أؤمن أن الإنسان في بلده، مهما كان الواقع قاسيًا، قادر على أن يقوّيه من جديد. لأن هذا البلد، في النهاية، بلدنا. لا وطن لنا سواه، ولا خلاص له إلا بنا. وقد ثبت أن لا أحد ينفعنا بقدر ما نفعل نحن بأنفسنا.
- هل للنص الشعري الذي تكتبه دور في توضيح رؤيتك للحياة؟
النص الشعري الذي كتبته لا يغيّر رؤيتي، لكنه يعنيني لأنه يوضّحها ويقف عندها للعبرة. أعتمد هذه القناعة في حياتي كلها: كل شيء في هذا الكون له بداية، وكل بداية لها نهاية، إلا الله، فهو بلا بداية وبلا نهاية. هذا إيماني وراحتي، لأن فهم النهاية يجعلها إنجازًا بحد ذاته، سواء جاءت بإرادتنا أم من دونها. أقول بشعري:
“بهالكون أنت ضيف، لا تعادي حدا، مش محرزة، تربّي بمشوارك عدا. كل شي بهالكون بدو ينتهي، وما بينتهي إلا لوحده ما ابتدا.”
لو فكر الناس بهذه العقلية، لحرّروا أنفسهم من البغض والحروب والتباعد، ولعاشوا اللحظة والنهار الذي هم فيه، مع إدراكهم أنهم راحلون، وأن ما علينا فعله ليس التمسك بالدنيا، بل ترك أثر طيب، أفعالًا نيرة وسيرة حسنة، تكون كالإرث الصافي: حين يرحل الجسد يبقى الاسم نظيفًا، حلو الذكر، وتُروى قصته بالخير.
- هل هناك تجربة شخصية شكلت منعطفًا داخليًا غيّر نظرتك إلى الحياة والكتابة؟
في مسيرتي كان هناك أكثر من محطة جدّدت نظرتي وغيّرت رؤيتي للأفضل، ولكن المحطة الأهم كانت تلك التي غيّرت نظرتي للكلمة والموسيقى، وهي التي أفتخر بها كثيرًا، عندما كتبت الترجمة العربية لمسرحية البؤساء (Les Misérables) وشاركت بها في الحلقة الأخيرة من عرب آيدول. ترجمتي كانت رائعة –بحمد الله– لأنها حافظت على معنى النص الأصلي، وظلّت الموسيقى كما كانت، وقد وافق عليها أصحاب العمل في لندن، بينما كثيرون من العالم العربي لم تُمنح ترجماتهم الفرصة، وهذا ما يجعلني أعتبره إنجازًا كبيرًا أفتخر به.
- في مسيرتك الثقافية والفنية، هل هناك صوت أو تجربة تركت أثرًا عميقًا في وعيك، وأسهمت في تشكيل رؤيتك للغة والموسيقى وجوهر الكلمة؟
المقطوعة التي سميتها “صوت المقهورين”، تعني لي الكثير ما زال أثرها حاضرًا في كل حالة يطرقنا فيها وجع أو حزن عميق، حتى في العالم العربي، تقول:
“في حزن وسع المدى، في وجع جوا عميق، لا صوت باقي ولا صدى، ولا مين يكفي الطريق…”.
أفتخر بهذه المقطوعة، وتعني لي الكثير إذ تشكل حالة تعبّر عن عمق المشاعر والوجدان.
وتظل أعمال كهذه حيّة تتجاوز الزمن، لأنها لا تموت، بل تستمر في العيش عبر تأثيرها ومعناها.
- نافذة الأمل … والحنين إلى علما الشعب - مارس 14, 2026
- وللرسالة ..رسلٌ وسبل! - مارس 9, 2026
- أبجديتي - مارس 9, 2026
