هل نحن أمام نجومٍ حقيقيين، أم فقاعاتٍ من اللايكات؟
سؤال يفرض نفسه في زمنٍ أصبحت فيه الشهرة تُصنع من زلّة لسان، أو من مقطعٍ عابر بلا قصد. صارت الشهرة وليدة الصدفة، ووريثة السخرية، بعد أن كانت مكافأةَ مشوارٍ طويل، لا يصل إليها إلا من قطع الطريق بموهبةٍ حقيقية، وحفر اسمه في المعنى، حتى صار له منحى في الذاكرة.
أما اليوم، فالشهرة لمن حصد لايكات، ولمن استهلك نفسه لإثارة السخرية، ونشر أجوائه الخاصة تحت مسمّى “لايفات مباشرة”. يسخر من ذاته، وربما يحصد أسدًا أو حوتًا، لتُترجم النقاط مالًا.
امتلأت المنصات بأبطالٍ من ورق، ومشاهير من دخان.
لم نعد نتابع أشخاصًا، بل نتتبع سقوطهم البطيء. لا ننتظر إنجازًا، بل سقطةً تضحكنا، أو مهرّجًا يقف ساخرًا على مسرح الجميع؛ لا يملك روح النكتة ولا فن الدعابة، بل حركاتٍ خالية من الأفكار، وتعابير بلا دفء.
الشهرة الرقمية أصبحت مشروع مادة لا تضيف إلى وعينا، بل ربما تزيد من وحدتنا.
وربما، يا أعزائي، الكارثة ليست في الشهرة بحد ذاتها، بل في كونها صارت بلا امتحان، ولا سؤال، ولا معيار. في زمنٍ صار فيه المجد رقمًا، وصار العمق عملة نادرة، بعد أن كان طريقًا وعرًا يتطلّب موهبة.
لم نعد بحاجة إلى شركات إنتاج ولا إلى قنوات؛ أصبح الهاتف المنصّة الأساسية، والمفتاح لما سُمّي بالديمقراطية الرقمية. ولا أنكر أنها سمحت ببروز قلةٍ من المواهب الحقيقية، لا سيما في مجالات الفكر، والطهي، والعلوم، لكنها في المقابل خلقت ازدحامًا مرئيًا هائلًا، ومنافسةً متكررة في المجال ذاته.
كثير من المشاهير الرقميين خاضعون للفلاتر، ومستجدون للجدل، وربما مزوّرون للوعي المجتمعي، خاصة حين يرى المتابعون الثراء ومستوى الحياة الذي وصلوا إليه. يفقد الإنسان هويته عندما يصبح عبدًا للجمهور، لا لما يؤمن به.
فالمشهور الحقيقي هو المؤثّر الذي استطاع إحداث تغيير في المجتمع، وربما في العالم؛ لأنه جسرٌ لنشر المعرفة أو الخبرة، لأنه يحمل معنى لا خواءً فكريًا.
وفي النهاية، البقاء للأكثر صدقًا وتأثيرًا، لا للأكثر صخبًا.
فالأرقام قد تُصنع، أما الاحترام والمحبة والشهرة الحقيقية، فتأتي من محتوى ثقيل بالفكر والمعنى، وكريمٍ بالأخلاق.
- نافذة الأمل … والحنين إلى علما الشعب - مارس 14, 2026
- وللرسالة ..رسلٌ وسبل! - مارس 9, 2026
- أبجديتي - مارس 9, 2026
