- الحب الكبير - مارس 22, 2026
- الى كل ام في الحياة - مارس 21, 2026
- أمي.. نبضُ الروح - مارس 20, 2026
بقلم: الصحافية والكاتبة ساره نزيه حاطوم.
في لبنان، لا تُقاس علاقة الإنسان بأرضه بالحدود الجغرافية ولا بملكيةٍ مسجّلة في الدفاتر، بل تُقاس بعمق الجذور التي تشرش في التراب وبالاستعداد للدفاع عنها حتى آخر رمق.
هنا، تصبح الأرض ذاكرةً حيّة، ويصبح الصمود جزءًا من هوية الناس. لذلك لم تكن الاعتداءات المتكررة على الجنوب مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل اختبارًا دائمًا لصلابة شعبٍ تعلّم عبر تاريخه الطويل أن الحروب التي مرّت على الأرض لم تكن مجرد أحداث عابرة في التاريخ، بل امتحانات متكرّرة لإرادة شعبٍ رفض أن يسلّم وطنه للعواصف.
لقد عرف الجنوب اللبناني على مرّ العقود ضرباتٍ متلاحقة وغزواتٍ متكرّرة من قبل العدو الغاشم، حتى أصبح اسمه مقترنًا بالصمود في الوعي العربي. قرى صغيرة تحوّلت إلى رموزٍ للثبات، وناسٌ بسطاء وجدوا أنفسهم في قلب المواجهة، لكنهم ظلّوا متشبثين بأرضهم كجذور الزيتون التي تضرب عميقًا في التراب.
وإذا كانت الذاكرة اللبنانية ما تزال تستحضر محطات قاسية، فإن السنوات الأخيرة، وخصوصًا أحداث عام 2025، أعادت التأكيد أن هذه الأرض اعتادت أن تواجه المحن دون أن تنكسر. فبين القلق والخسارات، بقيت إرادة الصمود حيّة في نفوس الناس، وبقيت قوى المقاومة، تقف على قدميها في مواجهة العدو، معلنة أن المعركة بالنسبة لأبناء الجنوب ليست مجرد صراع عسكري، بل دفاع عن أرضٍ وهويةٍ وحقٍ في البقاء.
وربما تكمن قوة لبنان الحقيقية في هذه العلاقة العميقة بين الإنسان وأرضه. فالأرض هنا ليست ملكية تُسجَّل على الخريطة، بل تاريخٌ مكتوب بعرق الفلاحين ودماء الشهداء. لذلك، كلما ظنّ المعتدي أن الضربات المتكررة ستكسر الإرادة، يفاجأ بأن ما يواجهه ليس مجرد أرضٍ تُقصف، بل شعبٌ يزداد تمسّكًا بها.
قد تتعب الحروب الناس، وقد تثقل الخسارات القلوب، لكن الجنوب اللبناني يثبت مرة بعد مرة أن الصمود ليس لحظة عابرة، بل ثقافة متجذّرة في الوعي والذاكرة. وبين الركام الذي تتركه الغارات، ينهض الإنسان اللبناني ليعيد بناء بيته، ويزرع حقله، ويرفع رأسه من جديد.
وهكذا يبقى الجنوب شاهدًا على حقيقة بسيطة وعميقة:
قد تستطيع الحروب أن تجرح الأرض، لكنها تعجز عن اقتلاع من أحبّها… وعاهدها أن يبقى فيها حتى آخر رمق.
في زمن المحن تنكشف وجوه كثيرة؛ بعضها يزداد إشراقًا، وبعضها يسقط عنه القناع. ومن أكثر ما يوجع في هذه الأيام أن ترى دم الشهيد يتحول في بعض الشاشات إلى مجرد رقم. يسقط إنسان دفاعًا عن أرضه وكرامته، فتتسابق بعض المحطات المحلية والعربية إلى وصفه بكلمة باردة: “قتلى”. كأن اللغة نفسها أصبحت جزءًا من المعركة، وكأن التسمية لم تعد بريئة، بل موقفًا. فالشهيد في وجدان شعبه ليس رقمًا في نشرة أخبار، بل قصة حياة، وبيتًا مكلومًا، وأرضًا رُويت بدمه.
هذا الجشع الإعلامي لا يختلف كثيرًا عن جشع آخر يظهر في الداخل، حين تتحول المأساة إلى فرصة للربح. ففي لحظات النزوح والخوف، يرفع بعض أصحاب البيوت بدلات الإيجار إلى أرقام خيالية بالدولار، وكأن الألم صار سوقًا للمساومة. بيتٌ كان مأوى للعائلة يتحول فجأة إلى سلعة في مزاد الحاجة.
لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل. ففي مقابل هذا الجشع، ينهض وجه لبنان الحقيقي. هناك من فتح أبواب بيته دون مقابل، ومن قال للنازح: “هذا بيتك قبل أن يكون بيتي”. هؤلاء يثبتون أن القيم لا تزال حيّة، وأن التضامن ليس شعارًا بل فعلًا يوميًا.
وهكذا يقف المجتمع بين صورتين متناقضتين:
صورة من يستثمر في الألم، وصورة من يخفف عنه. وبينهما يتقرر أي وجه للبنان سيبقى في ذاكرة الأيام.
“وبين من يساوم على الألم، ومن يفتح بابه بلا مقابل، يبقى لبنان محروسًا بأبنائه الذين يعرفون أن الأرض ليست سلعة، وأن الدم الذي يسقط عليها ليس رقمًا في نشرة أخبار. فالأوطان لا تحفظها الكلمات وحدها، بل يحفظها الأوفياء لها، كما قال أحمد شوقي:
وللأوطان في دم كل حرٍّ يدٌ سلفت ودينٌ مستحق.”
علمنا التاريخ أن الأرض تُحمى بالشجاعة، لكنها تُصان بالحكمة.
ولبنان، هذا البلد الصغير المثقل بالجراح، لا يحتمل أن نعيد فيه أخطاء الأمس كلما تبدلت العناوين.
فليس كل انتصار في الحرب نجاةً للوطن، وأحيانًا تكون الحكمة هي المعركة الأهم.
