بقلم زينة الحدّاد
القراءة الانطباعيّة في كتاب “رحلة على صهوة الكلمة” للكاتبة “ملاك درويش”
عند قراءتي لكتاب “رحلة على صهوة الكلمة” للكاتبة الزّميلة “ملاك درويش” استوقفتني محطّات فكريّة متعدّدة وغنيّة في قالب نثريّ. ففي “قصّة وغصّة” تثورُ الكاتبة على المجتمع الشّرقيّ المكبّل بعقده وتناقضاته، بخاصّة في ما يتعلّق بواقع المرأة وإشكاليّة الحبّ والذّكورة، وأجدها بين السّطور ثائرةً متمرّدةً ناقدةً داعيةً بشكلٍ أو بآخر إلى الانتفاضة على تقاليدَ بالية مهترئة، فتقول على لسان إحدى شخصيّاتها: “إنّه قدر الامرأة الشّرقيّة ينحرها العشقُ بخنجر ذكرٍ لا يفقه إلّا نشوة عابرة وبأعراف مجتمعيّة”.
إنّ للكلمة القدرة على الخلق والتّغيير في عالم باتت تحكمه نمطيّة التّفكير، وباتت تسوده أديولوجيّة الأنا المستترة خلف قوالب اجتماعيّة وسياسيّة، وعاطفيّة… وها هي الكاتبة في رحلتها تُزيل الستارة عن آخر فصولها الفكريّة وتمضي متسائلة على مسرح كتابها، طارحةً في إطارٍ حواريّ فلسفيّ (الموت والضّمير والتّكبّر والمجهول) أسئلةً وجوديّة علّها تًبصر النّور في آخر نفق من أنفاق عبثيّة الحياة، هي الّتـي قالت: “أنا أتمايل تحت الكلمات… عالمي لا خرائط تحدّه… فلنبحثْ عن ذواتنا بين فلسفة الموجودات…”
وفي نصّ “رسائل بلا أختام” قالت: “نعم، كان للكلمات نبضها، وللذّكريات بريقها، وللأحلام محطّاتها اللّامحدودة..” نحن نرتقي مع الكلمة ونسمو إلى عالم المعرفة، معرفة الذّات والآخر، بغيةَ الارتقاء إلى معرفة الرّوح الكونيّة، فهي رحلة مثمرة لا تنتهي، هي رحلة الصّدبقة الكاتبة “ملاك” بين النّهاية واللّانهاية، بين الوجود واللّاوجود…
بين السّطور تعبُر الكاتبة إلى العالم الآخر، عالم يغيّر خارطة المكان في واقعنا المؤلم، وعلى متن رحلتها الوجوديّة تعبُرُ الأماكن وتتوقّف عند محطّات الأنا المتعدّدة الوجوه محاولةً في لحظة معرفيّة أن تسبرَ أعماقها، فبين الحبّ والخذلان، الموت والحياة، الألم والسّعادة، تطرح التّساؤلات علّها تجد الإجابات، فكأنّني بها تتساءل في نصّ “المدينة الّتي لا تنام”: هل نعيش في الأماكن حقًّا أم هي الأماكن الّـتي تحيا فينا، أم هي الأماكن الّتي تعيش في ذاكرة عابرة لحدود الزمان والمكان، لم تقلْها صراحةً، غير أنّها ترجمتها بالوصف الوجدانيّ والتّأمّليّ، كأن تقول: “نغادرُها ولا تغادرُنا تلك الأماكن الملأى بالشّغف..”
الكاتبة تمتطي صهوة الكلمة عابرةً قارّات الكلمات مستكشفةً ذاتها، وكأنّ الكلمة هي مرآتها، فتقف في نصّ “رسالة اعتذار” أمام الكلمة المرآة لتنظر إلى تلك الأنثى الّتي ترك الحبّ في داخلها ندوبًا، إلّا أنّها تأبى الاستسلام، وتتابع مسيرتها، وتقف عند أبواب السّعادة متيقّظة الحواسّ، لا تحتمل ضبابيّة المشهد، وتمضي لتبحث عن نرجسيّتها، فمع كلّ نصّ تجعلنا الكاتبة في لحظة صمت، لنحاولَ أن نفهم معها لغز الحياة في تجاذباتها وتناقضاتها الوجوديّة والفلسفيّة، والفكريّة.
(علّمتني الحياة/ علّمني الأمان/ علّمتني أنت/ علّمتني جدّتي) إنّنا لسنا سوى حصيلة ما نتعلّم في هذا العالم، حصيلة تجاربنا المختلفة، وإنّنا نصنع ذواتنا من مادّة التّجارب الّـتي تصقل معرفتنا وثقافتنا، نحن انعكاس ليس فقط لما نفكّر، نحن انعكاس لسلسة التّجارب الّـتي تصنعنا، فللكلمة رائحة شهيّة كرائحة الذّكريات الّتي تخلق التّواصل بين الماضي والحاضر، على غرار ما قال الشّاعر (بودلر/ Beaudelaire) في ديوانه الشّعريّ (Les Fleurs Du Mal- Correspondances) كرائحة من نحبّ، كرائحة الحياة الّتـي تتحدّى الموت.
لذا، أراني في كتاب “رحلة على صهوة الكلمة” أعبر الفضاء الأثيريّ لأعود إلى نقطة البداية، إلى أوّل الرّحلة والانطلاق والتّحدّي، فنحن هذه الكتلة البشريّة القاطنة على سطح الأرض والوجود، فمن منّا لم يكتب؟! ومن منّا لم يحبّ؟! فالحبّ والكتابة معادلان للحياة، كلاهما نواة الحياة، فالكتابة وسيلتنا كي نحيا.
- نافذة الأمل … والحنين إلى علما الشعب - مارس 14, 2026
- وللرسالة ..رسلٌ وسبل! - مارس 9, 2026
- أبجديتي - مارس 9, 2026
