Latest posts by Dr. Salam Slim Saad (see all)

بقلم يوسف طراد

دروب متأرجحة
يا لهول أدب الهجرة! تسونامي من المشاعر الفيّاضة لمبدعةٍ صبَّت الألم في مجرى حبرٍ يصدح من أنين شعبٍ بأطيافه المعذّبة في المنافي والوطن، أنين حرّيّةٍ تُراقص العدم في رواية (موسم الهجرة إلى الحرّيّة) للكاتبة لورا المقدسي، صادرة عن دار سائر المشرق للنشر.
كيف تسكن الأماكن في فراغ الوقت لتتراقص حلمًا في أهداب الأفق الأرجواني، وومضة فكرٍ على بحار الشمال؟ ثمانية وأربعون فصلًا إهداؤها كلمتين (إلى أبي)؛ كلّ فصلٍ يذرف دمعةً بصمتٍ بين السطور، ليصبحَ شغف القراءة هادرًا في عروقٍ لا يغسل قلقها من النهايات سوى عناق المعاني فوق الأوهام.
مكنونات الكِتاب مشاعرُ صقلتها الهجرة وشحذتها الحروب، أقاصيصُ مترابطةٌ مغلفةٌ بقسوة الغربة وحنين الوطن. فوق سطور البداية، ضرب البلطيق بأمواجه العاتية في الارتفاع، وأفرغ قلق الارتحال على ضفاف مملكة السويد، بعيدًا عن طفولةٍ تحوي بؤس الأطفال، وقنابلَ تحصد الأحلام الجميلة مع الموت والفراغ. أضحت ليلى بطلة الرواية في مدينة (غوتنبرغ)، تلك المدينة التي أسّس شعبها الحياة بسعيٍ هادىءٍ وحقّق ذاته بفرحٍ وطمأنينة. على أعتاب مستوعبات اللّاجئين، وقت لم يهتدِ إلى أمان الإنتماء، وقت سار شرودًا مع عرق الحكايات، وعناق الألم الكامن في أصول الأوطان. هنا في مدن السويد يتّحد المجتمع بالبحار والأشجار أكثر من إلتحامه بقصص الدين وموقعة عاشوراء، أو بالكنيسة وصوت الأجراس وحكم العشيرة. هنا كلّ صخرةٍ أو منظرٍ أو حبة ثلجٍ تدلّ على ترف الانتحار خلافًا “لصخرة الروشة التي تشهد على انتحار بيروت.”
القناعة الساكنة في فكر كلّ مهاجرٍ يجاهد لبناء علاقة حميمة بمكان نفيه الاختياري تصطدم بالطبقية في الثقافة واللغة واللّكنة. إزدراءٌ مكتوم القيد تحسبه اهتمامًا وهو لا يتعدى الخوف من نقض قانون الإنسانيّة، فالاستقبال والمأوى والمأكل (رفع عتب)، الّذي هرب من هول الحرب وجد (جهنّم السلام)، حين نبضت القلوب وتردّد صدى النبض في الفراغ الهائل. تستحم في الوطن لغسل (العرق والقهر والمهانة) أمّا هنا فتستحم لغسل الضجر وحمّى الحنين.
يضم الكتاب أيضًا قواعد صارمة في المنفى تتحكم بالإنسانية المزيّفة: “لا يستحق من لا ينتج شيئًا مفيدًا أن يأكل خبزًا طازجًا.” من هاجر بسبب فقدان حبيبٍ أو أخٍ أو إبنٍ، من هاجر لتأمين حياة كريمة لعائلةٍ، طاردهم ظلّ اللجوء حيث كانوا يقتاتون من “فتات موائد دافعي الضرائب.” لم يخلُ أيُّ فصلٍ من العودة بالقلم والقلب والفكر إلى الوطن، سوى نادرًا، فالحبّ في السويد يختلف عن الحبّ في لبنان، حيث تختلط المشاعر الصادقة بالمآسي، والإهانات، والحرب، وخطوط التماس، والخطف، وجهل المجتمع، وتصّلب عقول حاملي العقائد. أمّا (في صقيع المنافي البعيدة) فنظام الرفاهية يفكّك الأسرة، والمثليّة ترفٌ في (تخمة الحياة). أحبّت ليلى بصدقٍ في بيروت، حاولت أن تكون صادقة للحبّ في السويد، كانت تجربتها الأولى مع مثليّ، والثانية مع عاجزٍ جنسيًا مريضٍ نفسانيًا.
عادت إلى الوطن، إلى والدها ووالدتها، وقد وصلتهم عدوى الانفصال بعد وفاة إبنهما، حاولت ليلى جمعهما وكادت تفعل، إلى أن خيّب ظنّها الموت ورحل أبوها، لأنه انتصر على الحياة القاسية بالموت. عادت إلى بيروت فوجدتها تعاني من تخمة التعاسة و”تجْمع كلّ المتناقضات في راحة يدها” وما زال الانقسام قدَرَها الرهيب. عادت لتبحث عن ماضيها الجميل الأليم، وجدت حبيبها ورحل الحب في الماضي. اختارت العودة إلى الترف في المجهول كي لا تبقى في وطنٍ “غير موجود إلّا في الشعر والموسيقى.” عادت إلى قدَرَها في منفاها، وحملت معها وجعًا من جرح وطنها لأنها “أدركت أن الجراح هنا لا تندمل”.
لا تسألوا الريح عن دروبها المتأرجحة بين وسط الكرة الزرقاء وشمالها، أو عن ملاذها الأخير بعيدًا عن ظلال الأرز وحنين أوراق الزيتون. لماذا يا لورا عندما يستكين البحر بعد زبدٍ، وتستعدّ المراكب للارتحال يقع المهاجرون في شبابيك ندم البقاء؟ وما أشقاهم راحلين حاملين معهم الشقاء في حقائبهم وقلوبهم ذهابًا وايابًا، إذا رغبوا بالعودة إلى أوطان المآسي.
لورا المقدسي كاتبة اتّقنتِ الوصف بحبرٍ رائعٍ، ضمن روايةٍ مليئة بالحبّ الخجول حينًا والوقح أحيانًا، فتراءت للقارىء بين السطور جثَّة العشق، وهيبة الأوطان المسلوبة، وأحلام الموتى. طالعتنا اللوعة خلال السّرد من أوطانٍ يتناسل فيها الشهداء، وأصبحت الهجرة السرّيّة جهرًا هربًا من الاستسلام للقمة العيش المغمّسة بالذّل والدم، في بلادٍ لا دين فيها بلّ قوانين وحقوق طوائف؛ بلاد يستمتع شعبها بالرقص المميت فوق الجهل العارم ولجج الموت على إيقاع سُلطةٍ فاسدةٍ.
يوسف طراد.
كتاب قراءات فلّاح صفحة ص ٢٤٣

By Dr. Salam Slim Saad

Dr. Salam Slim Saad is a leading expert in etiquette, protocol, and leadership development. With over 25 years of experience, a PhD in International Affairs, and a global client list spanning royal families, diplomats, and Fortune 500 leaders, she trains professionals to communicate with confidence, presence, and impact.

اترك ردإلغاء الرد

اكتشاف المزيد من نادي الكتاب اللبناني

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

Exit mobile version