- الحب الكبير - مارس 22, 2026
- الى كل ام في الحياة - مارس 21, 2026
- أمي.. نبضُ الروح - مارس 20, 2026
بقلم شربل طوني خيامي
قراءتي في رواية: البصير_ بصيرُ جبل عامل (فقر وحرمان _ ألمٌ وأملٌ) للكاتب الجنوبي الدّكتور حسن عوّاضة:
في عُمقِ الجنوب، حيثُ تتجذّر الحكايا في طينِ الأرض وتتلوّن بأوجاعِ الشمسِ وأفراحِ الغيث، تُرشَقُ “البصير – بصير جبل عامل: فقر وحرمان – ألم وأمل” كروايةٍ ليست مُجردَ حروفٍ مرصوفة، بل هي شهقةُ روحٍ تتمرّدُ على النسيان. كابنٍ لهذا الجنوب، تحديدًا من رميش، أجدُ في هذا السردِ صدىً لأصواتٍ عتيقةٍ ما زالت تُسامرُ ليالينا، ووجوهٍ نحتتها خطوطُ الشقاءِ والأملِ في آنٍ واحد. وكأنّ هذه الروايةَ تتجلى كغيمةٍ ثقيلةٍ، لا تحملُ في طياتها المطرَ فحسب، بل تُخبّئُ مرارةَ التبغِ التي عرفتْها أيدينا وشفاهُ أجدادنا، تلكَ المرارةُ التي تختزنُ قصصَ صبرٍ لا يُضاهى.
الدكتور حسن عواضة لم يكتبْ روايةً وحسب، بل نَقَشَ على جدرانِ الذاكرةِ لوحةً تُحيي شخصيةَ “البصير” الحقيقية، لتُصبحَ أيقونةً لمقاومةِ القهرِ وعنوانًا للصمودِ الجنوبيِّ العتيق. هنا، يتداخلُ الحقيقيُّ بالمتخيّل، في مزيجٍ يجعلنا نتساءل: إلى أيِّ مدى يمكنُ للخيالِ أن يُعيدَ صياغةَ التاريخِ، ويمنحَ المنسيينَ صوتًا خالدًا؟ وهل تملكُ الروايةُ القدرةَ على أن تُصبحَ وثيقةً أعمقَ من وثائقِ الأرشيفِ الرسميِّ، تُعيدُ الاعتبارَ لمن سُحِقتْ أصواتُهُم تحتَ سنابكِ الظلمِ؟
في كلِّ صفحةٍ، تتسرّبُ إلينا اللهجةُ العامليةُ بعبقِها الأصيل، كأنها نَسَمَةٌ من حقولِ التبغِ وكرومِ العنب. هذهِ اللغةُ ليستْ مجردَ وسيلةٍ للتواصل، بل هي كنزٌ يُخبّئُ في ثناياه حِكَمَ الأجدادِ وأسرارَ الأرض، تمامًا كطعمِ الزيتونِ الأولِ بعدَ عَصْرِهِ، أو رائحةِ الخبزِ الطازجِ من التنور. إنها تُعيدُنا إلى جذورِنا السريانيةِ العميقة، مُذكّرةً إيانا بأنَّ تراثَنا اللغويَّ غنيٌّ ومتشعّبٌ. فهلْ ما زلنا نُعطي هذهِ اللهجاتِ المحليةِ حقّها من التقديرِ والعناية، أمْ أنَّ موجةَ الحداثةِ جرفتْ معها أجزاءً من هُويتنا اللغويةِ الفريدةِ؟ وكيفَ يمكنُنا أن نُورِّثَ هذا الكنزَ لأجيالٍ قادمةٍ، حتى لا تندثرَ أصواتُ أجدادِهم في غياهبِ النسيانِ؟
الروايةُ تُعدُّ صرخةً ضدَّ الظلمِ بكلِّ ألوانهِ، السياسيِّ والاقتصاديِّ والاجتماعيِّ. إنها تُجبرُنا على مواجهةِ حقيقةِ أنَّ جبلَ عاملَ لم يكنْ مُجردَ بقعةٍ جغرافيةٍ على الخريطة، بل كانَ مسرحًا لآلامٍ لا تُحصى، ومعاناةٍ صقلتْ أرواحَ أهلهِ. يُبرزُ الكاتبُ العاداتِ الدينيةَ والاجتماعيةَ، التي كانتْ بمثابةِ أعمدةٍ يَستندُ إليها المجتمعُ في وجهِ المحنِ، تمامًا كعاداتِنا وتقاليدِنا في رميش، التي تُشكّلُ نسيجًا حيًّا يُربطُ الأجيالَ ببعضها البعض، من السهراتِ تحتَ ضوءِ القمرِ إلى لمّةِ العائلةِ حولَ مائدةٍ واحدةٍ. هذا يثيرُ فينا تساؤلاً جوهريًا: هلْ ظلتْ هذهِ الأعمدةُ صامدةً في وجهِ رياحِ التغييرِ العاتيةِ، أمْ أنَّ بعضًا من لبناتِها قد تهاوى، تاركًا فجواتٍ في نسيجِ مجتمعنا؟ وكيفَ نُعيدُ بناءَ جسورِ التواصلِ معَ هذهِ العاداتِ التي تُشكّلُ جزءًا أصيلاً منّا، وتُعيدُ إلينا دفءَ الانتماءِ؟
“البصير” هي أكثرُ من روايةٍ، إنها مرثيةٌ وتحدٍّ. مرثيةٌ لزمنٍ مضى، وتحدٍّ للحاضرِ والمستقبلِ لئلا يتكررَ الظلمُ. إنها دعوةٌ صريحةٌ للوعيِ والمساءلةِ، كدعوةِ الفلاحِ لأرضِهِ كي تُعطيَ ثمرًا بعدَ جهدٍ وعناءٍ. فهلْ استوعبنا دروسَ التاريخِ التي تُقدمُها لنا هذهِ الحكايا؟ وهلْ نحنُ مستعدونَ لأنْ نُصبحَ “بُصراءَ” حقيقيينَ، لا نرى الظلمَ فحسب، بل نُناهضهُ ونُعليَ صوتَ الحقِّ، حتى وإنْ كانَ همسًا في وجهِ الصمتِ المطبقِ؟ هذهِ الروايةُ تضعُنا أمامَ مرآةِ ذاتنا، لتُظهرَ لنا ماضينا وحاضرنا، وتُشيرَ إلى طريقِ مستقبلٍ يتطلبُ منا بصيرةً لا تخطئُ الهدفَ، وحبًا للأرضِ يمتدُّ كجذورِ شجرةِ الزيتونِ المعمرةِ في كلِّ زاويةٍ من هذا الجنوبِ الحبيبِ.
بقلم: شربل طوني خيامي
تمّوز 2025
